وكان منذر بن سعيد يتولى خطبة الجمعة والقضاء، ورأى خروجاً من تبعة التقصير فيما أوجبه الله على العلماء، أن يلقي على الخليفة الناصر درساً بليغاً يحاسبه فيه على إسراف إنفاقه في مدينة الزهراء، ورأى أن يكون ذلك على ملاء من الناس في المسجد الجامع بالزهراء.
فلما كان يوم الجمعة اعتلى المنبر والخليفة الناصر حاضر والمسجد غاص بالمصلين وابتدأ خطبته قارئاً قول الله تعالى (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ (1) آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (2) حتى وصل إلى قوله (قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى) (3) ثم مضى في ذم الإسراف على البناء بكل كلام جزل وقول شديد ثم تلا قوله تعالى (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (4) وراح يحذر وينذر ويحاسب حتى ادّكر من حضر من الناس وخشعوا وأخذ الناصر من ذلك بأوفر نصيب، وقد علم أنه المقصود به فبكى وندم على تفريطه. غير أن الخليفة لم يتحمل صدره لتلك المحاسبة العلنية ولشدة ما سمع، فقال شاكياً لولده الحكم والله لقد تعمدني منذر بخطبته وما عنى بها غيري، فأسرف علي وأفرط في تقريعي .. ثم استشاط غيظاً عليه، متذكراً كلماته، وأراد أن يعاقبه لذلك!! فأقسم أن لا يصلي خلفه صلاة جمعة، وجعل يلزم صلاتها وراء أحمد بن مطرف خطيب جامع قرطبة.
تلك هي عقوبة الخليفة الناصر –أن لا يصلي خلف منذر في صلاة الجمعة- لذلك الخطيب الذي تجاوز الحد في الكلام .. !!
ولكن لما رأى ولده الحكم تعلق والده بالزهراء والصلاة في مسجدها العظيم قال له: (فما الذي يمنعك من عزل منذر عن الصلاة به إذ كرهته؟ ولكن الناصر زجره قائلاً: (أمثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه (لا أم لك) يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد؟ هذا ما لا يكون وإني لأستحي من الله ألا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعاً مثل منذر في ورعه وصدقه ولكن أحرجني فأقسمت ولوددت أني أجد سبيلاً إلى كفارة يميني بملكي، بل يصلي –منذر- بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله فما أظننا أنا نعتاض عنه أبداً) (5).
وهذا الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى، يقف على منبره محاسباً المقتفى لأمر الله ومنكراً عليه تولية يحيى بن سعيد المشهور بابن المزاحم الظالم، القضاء، فقال مخاطباً له: وليت على المسلمين أظلم الظالمين، فما جوابك غداً عند رب العالمين أرحم الراحمين. فارتعد الخليفة وعزل المذكور لوقته (6).
(1) [الريع: المكان المرتفع والآية العلامة من نصب وقباب].
(2) الآيات128 - 135 الشعراء.
(3) الآية 77 النساء.
(4) الآية 109 التوبة.
(5) [من أخلاق العلماء، كما ذكرها الأستاذ عبد الحميد العباذي بين خليفة وقاضي مجلة الأزهر عدد رمضان سنة 1371هـ].
(6) [قلائد الجواهر ص8].