تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن رجال الثورة والسياسيين في أوروبا من حقهم أن يفعلوا ما فعلوا تخلصاً من سيطرة الكنيسة وظلم رجالها، ففصلوا دينهم عن الحياة، وشؤونها ومنها الحكم والسلطان، لأن الدين المسيحي كما هو واقعه، وكما هي حقيقته دين أخلاق وعبادة فقط، لا دين نظام وتشريع لشؤون الحياة كلها، فليس فيه أنظمة للحكم ولا للاقتصاد ولا للسياسة .. الخ وليس فيه دولة تطبق تعاليم المسيحية، وترعى شؤون الناس في الحياة حسب هذا الدين، ولكنهم –والحق يقال- ليس من حق رجال الثورة أن يمنعوا القس والرهبان الخ .. من رعاية شؤونهم وشؤون الناس، ويبعدونهم عن الاشتغال بالسياسة والمشاركة في الحكم وما له صلة بالدولة، لأن من حق كل إنسان أن يرعى شؤونه بنفسه لا أن ترعى شؤونه وهو بمعزل عن ذلك، ولكن ما الحيلة وقد رضي بذلك القس والرهبان .. فلهم رأيهم وعليهم وزر ذلك، هذا من الناحية النظرية البحتة المقررة التي يحاولون إشاعتها بين المسلمين وفي ديارهم لإبعادهم عن الإسلام ولكن هذه الناحية لما لم تكن عملية ومخالفة لفطرة الإنسان وغير منسجمة مع حياته فقد خرج عليها الأسقف مكاريوس حين تولى رئاسة الجمهورية في قبرص.

أما الإسلام فليس فيه رجال دين ولا رجال دنيا فكل مسلم هو رجل من رجال الإسلام، ومن يعتقد بالإسلام يسمى مسلماً والمسلمون جميعاً أمام دين الإسلام سواء.

وليس في الإسلام سلطة دينية بالمعنى الكهنوتي ولا سلطة زمنية منفصلة عن الدين، بل السلطة واحدة، تقوم على أساس الإسلام وتطبق الإسلام وحده، لأن الإسلام دين والدولة جزء منه، والسياسة –وهي رعاية شؤون للناس- حكم شرعي من أحكامه، ولأن الإسلام عقيدة ونظام، أما كونه عقيدة فلأن أساسه يقوم على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وبالقضاء والقدر. وتلك هي عقيدة، وقد انبثقت عن هذه العقيدة، أنظمة الإسلام في الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع، والعقوبات والبينات والمعاملات الخ .. وهذه الأنظمة أحكام شرعية، استنبطها المجتهدون من الأدلة التفصيلية من الكتاب الكريم والسنة المطهرة وما استند عليهما وأرشد إليهما.

وقد سمى الإسلام الذين تخصصوا في فهمه بالعلماء والفقهاء والمجتهدين، أما العلماء فلقوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (1). وقوله عليه الصلاة والسلام (أن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ... الحديث) (2). أما الفقهاء فلقوله تعالى (لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) (3)، وقوله صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده) (4). وأما المجتهدون فلإقراره صلى الله عليه وسلم لقول معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن حين سأله صلى الله عليه وسلم بم تحكم إن لم تجد في الكتاب ولا في السنة فقال: (أجتهد رأيي ولا آلو) (5)

ولم يشترط الإسلام لباساً معيناً للعلماء فكل من يفهم الإسلام يكون عالماً به مهما ارتدى من لباس، وكل من توسع في فهم الإسلام يكون فقيهاً وكل من كان قادراً على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها يكون مجتهداً.

(1) الآية 28 فاطر.

(2) متفق عليه.

(3) الآية 122 التوبة.

(4) أخرجه البخاري ومسلم عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما مرفوعاً، دون زيادة: (ويلهمه رشده).

(5) حديث ضعيف، أخرجه أبو داود 3/ 303، والترمذي برقم 1327، وأحمد 5/ 230، 242، والدارمي 1/ 60، وعبد بن حميد ص72، وقال الترمذي: هذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل. أهـ وقال العظيم آبادي: وهذا الحديث أورده الجوزقاني في الموضوعات وقال: هذا حديث باطل. أهـ (عون المعبود 9/ 258).

الإسلام بين العلماء والحكام · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإسلام بين العلماء والحكامص ١٤