السَّلَفُ قَدِيمًا لَا يُطْلِقُونَ اسْمَ السُّنَّةِ إِلَّا عَلَى مَا يَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ. وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَخُصُّ اسْمَ السُّنَّةِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادَاتِ، لِأَنَّهَا أَصْلُ الدِّينِ، وَالْمُخَالِفُ فِيهَا عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، وَفِي ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِأُولِي الْأَمْرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِأُولِي الْأَمْرِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ») (١)
والمقصود بالخلفاء الراشدين: كلُّ من خلف النبي ﷺ في أمته بالعلم النافع، والعمل الصالح، وأولهم دخولًا في هذا الخلفاء الأربعة، فلهذا يقال: سنة راشدية، وسنة عمرية راشدية. قوله «عضوا عليها بالنواجذ» النواجذ: الأضراس؛ لأنَّ من عضَّ على الشيء بنواجذه، فقد استمسك به، ليس كمن يعض عليه بالثنايا أو بالرباعيات، فهو كناية عن شدة التمسك بها.
قوله: «وإياكم ومحدثات الأمور» في الدين، وهي البدع، وتقدم تعريفها.
قوله: «فإنَّ كل بدعة ضلالة» جملة تعليلية لما سبق من تحذير. ولو كان فيها خيرًا لدلَّنا عليها النبي ﷺ، قال ابن رجب رحمه الله: (فَقَوْلُهُ ﷺ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، فَكُلُّ مَنْ أَحْدَثَ شَيْئًا، وَنَسَبَهُ إِلَى الدِّينِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ مِنَ الدِّينِ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَهُوَ ضَلَالَةٌ، وَالِدَيْنُ بَرِيءٌ مِنْهُ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَسَائِلُ الِاعْتِقَادَاتِ، أَوِ الْأَعْمَالُ، أَوِ الْأَقْوَالُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ مِنَ اسْتِحْسَانِ بَعْضِ الْبِدَعِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي
(١) (جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (٢/ ١٢٠ - ١٢١)