أَدْرِي، لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا وَطَفِقَ يُوَدِّعُ النَّاسَ، فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ) (١)
قوله: «أوصيكم بتقوى الله» لأنَّها وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] وقال النبي ﷺ لمعاذ: «اتقِّ الله حيثما كنت» (٢)، وهي خشية تجعل بينه وبين عذاب الله وقاية؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
قوله: «والسمع والطاعة» لما وعظهم فيما يتعلق بخاصة أنفسهم، ثنَّى بالأمر العام، إذ لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، فلا بدَّ من اجتماع، ولا بدَّ من طاعة، فلا يصلح أن يستقل كلَّ إنسان برأيه، ويشذُّ عن الجماعة.
قوله: «وإن تأمَّر عليكم عبد» أي: لا يحملنَّكم استنكاف أن تسمعوا وتطيعوا لمن وُلِّي عليكم، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ. (٣) قوله: «وإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» قال ابن رجب- رحمه الله: (هَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ ﷺ بِمَا وَقَعَ فِي أُمَّتِهِ بَعْدَهُ مِنْ كَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَفِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنَ افْتِرَاقِ أُمَّتِهِ عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَأَنَّهَا كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ مَنْ كَانَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَأَصْحَابُهُ، وَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَمْرٌ عِنْدَ الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ بِالتَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَالسُّنَّةُ: هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ التَّمَسُّكَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ، وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الْكَامِلَةُ، وَلِهَذَا كَانَ
(١) (جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (٢/ ١١٥)
(٢) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس برقم (١٩٨٧) وحسنه الألباني.
(٣) (أخرجه مسلم في باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار، برقم: (٦٤٨)