تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمنصفون يقولون : حسب محمد شرفا أن ينشئ من الأميين شعباً راقياً واعياً . فكيف وقد أنشأ منهم أمة حركت الرواسي وأتت بالعجائب . من كان يخرج الرومان من مستعمراتهم التي احتلّوها قروناً عديدة ؟ من كان يحاكم مواريثهم الفكرية والروحية التي فرضوها بالحديد والنار ؟ من كان يقدر على تقليص ظلالهم وكسر كبريائهم بعد ما هزموا الفرس ، واحتكروا السيادة في الأرض ذات الطول والعرض ؟ لقد قدر على ذلك الرجال الذي صلّوا وراء محمد فى سجدة التواضع بالمدينة ، وسمعوا منه القرآن فحفظوه لم يسقطوا منه حرفاً ، ونقلوه إلى من حولهم إلى من بعدهم فى دقة لم تعرفها صحائف الوحي منذ نزل وحي. من روح محمد القائد العابد الداعي إلى الله على بصيرة ، انطلق قادة عُباد صوب المشارق والمغارب ، وما أُثر عنهم اعتداد بجنس ولا اشتهاء لغرض ولا إخلاد لأرض ، ولا تكاسل عن آخرة ! فإذا حضارة جديدة تقوم ، هتافها الدائم . أذانٌ يتكرر من الفجر إلى العشاء يدعو العباد لأداء واجبهم نحو رب العباد . إن محمداً صناعة إلهية لم تتكرر، فسبحان من أبدع محمداً. وإذا كان السلف الأول ! قد أحدث خوارق تاريخية لأنه أحسن التأسى والتعلّم والوفاء ، فرجال محمد في عصرنا يقدرون على مثل1_217

ذلك ، إذ الوسائل بين أيديهم لا تزال قائمة ، لا الكتاب انتهى ، ولا السنة اختفت . المهم أن يكون الاتصال بالروح لا بالشكل ، ففساد الأديان يجيء من تحوِّلها إلى رسوم وجسوم ، وكم من رسم خلا من المعنى ! وكم من جسم حلَّت به حقيقة مارد ،وإن بدا للناس في صورة عابد .

الغزو الثقافي · الصفحة ٢٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الغزو الثقافيص ٢٠٠