متصل بالبر فنزله فسمي الجبل جبل طارق إلى اليوم ولما ملك عبد المؤمن البلاد أمر ببناء مدينة على هذا الجبل وسماه جبل الفتح فلم يثبت له هذا الاسم وجرت الألسنة على الأول.
وكان حلول طارق فيه في رجب سنة اثنتين وتسعين من الهجرة.
ولما ركب طارق البحر غلبته عينه فرأى النبي ومعه المهاجرون والأنصار قد تقلدوا السيوف ونكبوا القسي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا طارق تقدم لشأنك.
وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد فنظر طارق فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه فاستيقظ من نومه مستبشراً وبشر أصحابه وقويت نفسه ولم يشك في الظفر.
ونزل من الجبل إلى الصحراء وافتتح الجزيرة الخضراء وغيرها وفارق الحصن الذي في الجبل.
ولما بلغ رذريق غزو طارق بلاده عظم ذلك عليه وكان غائباً في غزاته فرجع منها طارق قد دخل بلاده فجمع له جمعاً يقال بلغ مائة ألف فلما بلغ طارقاً الخبر كتب إلى موسى يستمده ويخبره بما فتح وأنه زحف إليه ملك الأندلس بما لا طاقة له به.
فبعث إليه بخمسة آلاف فتكامل المسلمون اثني عسر ألفاً ومعهم يوليان يدلهم على عورة البلاد ويتجسس لهم الأخبار.
فأتاهم رذريق في جنده فالتقوا على نهر لكة من أعمال شذونة لليلتين بقيتا من رمضان سنة اثنتين وتسعين واتصلت الحرب ثمانية أيام وكان على ميمنته وميسرته ولدا الملك الذي كان قبله وغيرهما من أبناء الملوك واتفقوا على الهزيمة بغضاً لرذريق وقالوا: إن المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنيمة عادوا إلى بلادهم وبقي الملك لنا.
فانهزموا وهزم الله رذريق ومن معه وغرق رذريق في النهر وسار طارق إلى مدينة إستجة متبعاً لهم فلقيه أهلها ومعهم من المنهزمين خلق كثير فقاتلوه قتالاً شديداً ثم انهزم أهل الأندلس ولم يلق المسلمون بعدها حرباً مثلها.
انتهى.
استغلال خلافات الأعداء
كان مما صنعه الله تعالى للمسلمين قبيل فتح الأندلس ذلك الخلاف القوي بين يوليان ولذريق، فكان بمثابة المفتاح الأول لفتح الأندلس، وهو الأمر الذي لم يدعه موسى بن نصير يمر دون أن يستغله.
فاستغلالات الخلافات بين الأعداء يوفر لك الكثير من المعلومات المهمة والتسهيلات الضرورية ويوفر عليك أيضا الكثير من الجهد والعناء في الحرب.