اعترفوا هم به، ومع هذا لم يسلموا القتلة للحكم الشرعي، بل كفَّروا من طالب بالحد الشرعي فيهم.
إنَّ هذا نابع من سجية سيئة عند هؤلاء، تلك هي التعالي على الخلق واحتقار المقابل، فهم يتعالون على من ينكرون عليهم المنكر، ويتعالون على الجماعات الجهادية الأخرى، ويتعالون في جهادهم، ويتعالون في دعوى ثباتهم ...
وهذا التعالي وحده كافٍ لإبطال عملهم؛ لأنه متضمن لاحتقار المسلمين، والله سبحانه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص:83)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا، وأشار بيده إلى صدره ثلاث مرات: حسب امرئ مسلم من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) (1).
وعن فضالة بن عبيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع: (ألا أخبركم بالمؤمن: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب) (2).
يجب أن يعلم كل مجاهد أنَّ أذية المؤمن تُذهب أجر الجهاد، فعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه قال: غزوت مع نبي الله صلى الله عليه وسلم غزوة كذا وكذا، فضيَّق الناس المنازل، وقطعوا الطريق، فبعث نبي الله صلى الله عليه وسلم مناديًا ينادي في الناس: (أنَّ من ضيَّق منزلاً أو قطع طريقًا فلا جهاد له) (3). هذا الحديث في الأذية العادية
(1) () أخرجه مسلم (2564) (32)، وأحمد 2/ 277 و 311 و 360، وابن ماجه (3933) و (4213).
(2) () أخرجه أحمد 6/ 21 و 22، وابن ماجه (3934).
(3) () أخرجه أحمد 3/ 440، وأبو داود (2629). وحسنه الألباني وشعيب. وقال في عون المعبود 7/ 210: ("فضيق الناس المنازل"، أي على غيرهم، بأن أخذ كلٌ منزلاً لا حاجة له فيه أو فوق حاجته، "وقطعوا الطريق" أي بتضييقها على المارة "فلا جهاد له" فيه أنه لا يجوز لأحد تضييق الطريق التي يمر بها الناس، ونفي جهاد من فعل ذلك على طريق المبالغة في الزجر والتنفير، وكذلك لا يجوز تضييق المنازل التي ينزل فيها المجاهدون؛ لما في ذلك من الإضرار بهم).