عرفة فقال: أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وإرشاده، وخازنه على ماله وفيئه أعمل فيه بمشيئته وأقسمه بإرادته وأعطيه باذنه، وقد جعلني الله عليه قفلا فإذا شاء أن يفتحني فتحني، فارغبوا إلى الله واسألوه [1] في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [2] ، أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم وقسم أرزاقكم فيكم بالعدل عليكم والإحسان إليكم.
وحدثني عبد الله بن مالك، أخبرني إسحاق بن عيسى بن علي، قال: بعث المنصور في سنة خمس وأربعين ومائة رجالا يطلبون له موضعا يبنى له [3] فيه مدينة، فكانوا يأخذون تربة كل أرض فإذا عفنت خرجت منها العقارب والخنافس، فلما عفنت تربة بغداد خرجت منها بنات وردان فقال: هذه، هذه، فنزل الدير الذي على الصراة وقال: بغداد بلد يأتيه الميرة من الفرات ودجلة. فاختط المدينة وفرغ من أساسها، فإنه لنائم في يوم صائف إذ أقبل سليمان بن مجالد وسليم المكي فاستأذنا على المنصور فدخل الربيع فاحتال (664) له حتى استيقظ ودخلا عليه ومعهما كتاب صغير من محمد بن خالد بن عبد الله القسري يخبر فيه بخروج محمد بن عبد الله فقال المنصور: نكتب إلى مصر الساعة أن تقطع [4] الميرة عن أهل الحرمين وإنهم في مثل الحرجة إذا لم تأتهم الميرة من مصر. وأمر أن يكتب إلى العباس بن [5] محمد أخيه وهو على الجزيرة أن يمده بمن [6] قدر عليه ولو أن يبعث إليه في كل يوم رجلا واحدا لينكسر بهم أهل خراسان فإنه لا يؤمن فسادهم مع دالتهم. ونادى بالرحيل من ساعته فخرج في حر شديد حتى عسكر بنهر صرصر وصلى العصر هناك، وأتى الكوفة وعسكر وخندق عليه، ودعا بعيسى