(18)
ثم جاء إمامهم أبو حامد الغزالي الذي آمن بأن المنقذ من الخسران في الدارين يكمن في كشوفات الصوفية وأنوارهم المزعومة، حيث ينص على ذلك فيقول في مقدمة كتابه الإحياء " .... العلم الذي يتوجبه إلى الآخرة ينقسم الى قسمين: علم المناطة، ول
م
المكاشفة ..... (1)
ثم يوضحه فيقول: " وهو علم الصديقين والمقربين، أعني علم المكاشفة، فهو عبارة من نور يظهر في القلب ..... وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قب ل أسماءها، فينوهم لها معاني مجملة غير صحة، فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه وتعالى وبصفانه .... وبأفعاله ويحكمه في خلق الدنيا والاخرة ... والمعرفة بمعنى النبوة، والنبي، ومعنى الوحي، ومعنى الشيطان، ومعنى لفظ الملائكة والمعرف ة يملكوت السموات والارغي ... ومعرفة الاخرة، والجنة والنار، وعذاب القبر، والصراط، والميزان، والحساب،. فعلي بعلم المناشفة أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلية الحق في ه ذه الأمور الضاحا يجري مجرى العيان. (2)
إن نظرية الكشف المزعومة قد نشدن الغزالي حولها كثيرا، وربطها بالعلوم الشرعية، وبالاثمان، حتى جعلها أرفي العلوم وأعظمها وأهمها. وهذه النظرية الخبيثة هي الت ي شجعت التصوف الفلسفي بعد الغزالي على التطرف والغلو دون حرج بدعوى، وكلهم بتمي أنه توصل إلى ما بزعمه من نتائج وعلوم التية، ومعرفة حقيقية، بالكشف والمشاهدة العالم الغيب والملكوت، والحق أنهم وجدوا بابا عظيما ولجوا فيه ومارسوا أنواع الغلو باسم علم المكاشفة الذي عتوه أعظم العلوم الموصلة إلى الجنة والنعيم.
فالغزالي شجع من جاء بعده، كما أحرز للتصوف مكانة مرموقة في التراث الإسلامي عند العامة من المسلمين، ممن يجهلون حقائق التصوف وانحرافاته ومدته. ومازال كثير م ن عوام المسلمين من أهل السنة، بل وحتى بعض طلبة العلم منهم يردد عبارات الصوفية، بحسن نية على أنها من التراث الإسلامي الذي يجب الاعتزاز به، لأنه صدر عن أن ا
س بلغوا القمة في الزهد والعبادة بزعمهم، الأمر الذي أوصلهم لمعرفة كثير من الأمور الغيبة بالكشف والاطلاع والمشاهدة التي اكرمهم الله تعالى بها. ويتخوف الكثير من أهل السنة أن يطعن فيهم وفي أقوالهم بهذه الحجة الشيطانية التي يخوف دعاة التصوف بها العام ة. فيقول الغزالي مثلا خوفا من يفكر هذا العلم، أو ينكر على أهله: " وأقل عفوية من بنكره
(1) إحياء علوم الدين (4/ 1) -
(2) نفس المصدر (18/ 1) 0