الأمر الثاني: أن البخاري و مسلماً عليهما رحمة الله ربما يخرجون عن راو حديثا ًقليلاً ويدعون حديثاً قريباً منه، وهذا حينئذ لا نقول إنه انتقاء، وإنما أصل حديث الراوي قليل، فإذا كان ليس للراوي إلا عشرة أحاديث أو نحو ذلك فروى البخاري و مسلم له اثنين أو ثلاثة أو واحداً أو نحو ذلك فهذا يضعف فيه قرينة الانتقاء، ولهذا نقول: إن باب الانتقاء في البخاري و مسلم لابد فيه من الجمع بين أمرين: بين عدد الأحاديث التي أخرجها البخاري و مسلم في الصحيح، وبين عدد الأحاديث المتروكة ونوعها، وهذا يعرف بالسبر بالرجوع إلى كتب المسانيد، وأظهر هذه الأمور أن يرجع طالب العلم إلى كتب الأطراف، وذلك مثلاً تحفة الأشراف، أو إتحاف المهرة، وغيرها إذا أراد أن يقف على إسناد وهل أخرج له البخاري و مسلم أو لم يخرجا له، وماذا ترك من حديثه، ينظر في أحاديثه بسياق واحد، حينئذ يستطيع أن يرجح حديثاً دون حديث ويعرف أيضاً وجوه الترجيح. ولماذا لا نغلب جانب الانتقاء على إعلاله أنه اختار اختياراً؟ نقول: هذا الإطلاق غلط حتى ننظر إلى نوع ما ترك، ما الذي ترك البخاري، هل ترك أحاديث جليلة داخلة في هذا المعنى ثم لم يوردها؟ هذا دليل على أنه ما تركه إلا لعلة، هذا يظهر معنا في الأحاديث التي يخرجها البخاري و مسلم في الصحيح في غير الأحكام، وللراوي أحاديث في الأحكام، وذلك كرواية علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس مثلاً، له أحاديث في التفسير وله أحاديث في الأحكام، فالأحاديث المروية في الأحكام عن علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس لا يخرجها البخاري، هل انتقى منه أم أراد إعلالاً؟ أراد إعلالاً لأحاديث الأحكام، لهذا لا نستطيع أن نطلق أنه انتقى بكل حال ونقول: إن انتقائه ذلك لا يلزم منه إعلال لذلك الراوي، وإنما نقول: إنه لابد أن نرجع إلى المتروك من حديثه. وبالله التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأحاديث المعلة في الصلاة · الصفحة ٤٠٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الأحاديث المعلة في الصلاةص ٤٠٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي