تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسبب هذا التباين هو الغزوة الكاسحة من الحَضَارَة الغَرْبية التي غيّرت مقاييسنا للأشياء وقناعاتنا التي كانت متصلة في نفوسنا وكأننا تناسينا العدل والميزان والقسط في شرعة الله.

ولا ريب أنّ العدلَ هو الحق الذي قامت به السموات والأرض، وانضبط على هديه مسار الوجود، إلا أن تطبيق العَدالَة في حياة الأمم يخضع لموروث عادتها وأعرافها وما تسنُّه من أنظمة في واقع روابطها وعلاقاتها الدولية.

وعلى هذا اضطربت مواقف الفلاسفة والحكماء ورجال القانون قديماً وحديثاً من مسالك تحقيق العَدالَة، فمنهم من جعل الظلم سبيلاً لتحقيق العدل كقول زهير بن أبي سلمى:

ومن لم يذدْ عن حوضهِ بسلاحهِ يهدَّم ومَن لا يظلمِ الناسَ يُظلم (1)

ومنهم من جعل القوة أهم عناصر العدل، ومنهم من رأى أن العَدالَة مرهون توافرها بتوافر الحريات المجردة من القيود والضوابط ومنهم من يرى العدل أحكاماً ممزقة وترقيعات لأنظمة فاسدة.

وأمام هذه المذاهب المختلفة والنظرات المتباينة، لم تبلغ ثقة الفلاسفة على امتداد التاريخ من القوة مبلغ الإيمان بتوافر العدل الكامل في واقعه العلمي رغم دوي صيحات المنصفين.

ولكن الدارس لمعاني المنهج الإلهي يجدها بمجموعها دعوة صريحة إلى العدل الكامل في حياة الخلق لأنه من أمر الله لا من خلقه وشتّان ما بين ما أنزل الله وبين ما هو مستمد من طاقات البشر الفِكْرية والثقافية والعاطفية ومزاجاتهم النفسية وتجاربهم الفردية والجماعية، التي تبدأ بالطعن والاتهام.

وعليه فإن من أحقّ المباحث بالتسطير وأنفسها عند الجمع والتحبير تبيان وجه الحق فيما تتعاوره الأفهام وتتعرض له الأذهان من الجهل والأوهام في ضوء علم الشَّرِيعَة، علم السيادة، ومفتاح الهدي ونهج السعادة ولله درّ ابن قَيِّم الجَوْزِيَّة إذ يقول:» إن محنة الإسلام والقرآن من جهل الصديق وبغي ذي الطغيان «

من هنا تناولت مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة، أحد المفاهيم الفلسفية والسِّيَاسِيَّة والاجْتِمَاعِيَّة التي طرحت للبحث عن صيغة للتوفيق بين الحضارتين الإسْلاميَّة والغَرْبيّة لنصل في أعقاب مناقشتنا

(1) ابن أبي سلمى زهير، ديوان، شرح ثعلب، ص (88).

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٩