تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخلال ذلك حاولت الأمة بما بقي لها من صبابة الحياة أن تنهض من كبوتها، وتستقيل من عثرتها، فباءت كل محاولاتها بفشلٍ ذريع، لأنها أخطأت السبل المؤدية إلى النجاح، فقد قامت تلك المحاولات من منطلق تقليد الأجنبي والتبعية للمحتل حتى ازدادت أحوالنا سوءاً وبدأ الجيل الجديد بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري يبحث عن البلسم الشافي لما تعانيه الأمة من الضياع الفِكْري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي وما أهدر من الحقوق الإنسانية فارتفعت أصوات المُفَكِّرين المسلمين عالياً منادية بلثم الجراح ورأب الصداع وإعطاء الحقوق ورفع الظلم.

وكان من أبرز المفاهيم التي نودي لها من قبل الفلاسفة والمفكرين، وطلب من الدول تحقيقها ونصّت عليها لوائح حقوق الإنسان في هيئة الأمم وغيرها» مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة «فاتجهت الوجوه شطر الغَرْب تستجلب منه الحلول لمشكلاتها كما تستورد منه السلع لمعاشها غير أنها عند استيراد السلع تراجع أرصدتها القديمة وتحصي بضاعتها المدَّخرة وتنظر في قدرتها على الإنتاج فأما عند استيراد المبادئ والقوانين فلا تضع شيئاً من هذا، وإنّ هذا لمن أعظم ما فتن به المسلمون اليوم لأنهم ورثوا الأفكار الإسْلاميَّة باعتبارها فلسفة خيالية كما يرث اليوم اليونان فلسفة أرسطو وأفلاطون وقد تناسوا أن الأفكار في أية أمّة من الأمم هي أعظم ثروة تنالها الأمة في حياتها وأعظم هبة يتسلمها الخلف من سلفه إذا كانت الأمة عريقة في الفِكْر المستنير وأن الثروة المادية دون أفكار الحياة بكثير فإذا دمرت ثروة الأمة المادية فسرعان ما يمكن تجديدها ما دامت الأمة محتفظة بثروتها الفِكْرية.

ومن هنا تباينت وجهات نظر المُفَكِّرين من أبناء الأمة حول الأفكار الوافدة فمنهم من أدرك» أن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح بها أولها «فاتجهوا نحو الإسلام ينهلون من عذب معينة، ويجتهدون على ضوء الكتاب والسنة بناء على الأحداث والوقائع، ومنهم من ارتد إلى الأصالة جامداً على نصوصها متمسكاً بظاهرها دون تنزيل الأحكام على الوقائع وفهم الواجب منها، ومنهم من حذا حذو الغَرْب من منطلق التقليد دون تفريق بين الواقع الإسلامي والواقع الغَرْبيّ ومنهم من تعامل مع النُّصُوص الشَّرْعية والأصالة الفِكْرية بمنظور غربي أو بمنظور توفيقي بين الإسلام وما هو غربي مدعين أن الإسلام روح طليق قبل أن يكون نصّاً أو حداً.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٨