ويذكر الشيخ أبو زهرة (1): «أن المقصود من قول النخعي هو استمرار الاستتابة حتى اليأس من عودة المرتد إلى الإسلام، وعند ذلك يكون القتل، وهذا القول موافق لمن يرى قتل المرتد حداً، لأنه يقرر القتل بالنهاية، وهو الثابت بالنسبة الصَحِيْحة، وإجماع أهل العلم، وقضاء الصحابة رضي الله عنهم» (2).
أيضاً من الواضح أن القاعدة الأَسَاسيَّة عند إقامة الحدود، هي درء الحدود بالشبهات، وليس مستبعداً أن يكون مقصود عمر رضي الله عنه تطبيقها قبل إقامة الحد، للتأكد من إدراك المرتدين لجريمتهم، وعدم وجود شبهة لهم، تحتاج إلى كشف وبيان.
أما ما نقل عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، في ترك المرتدين بعد فرض الجزية عليهم، فإنّ الرواية خاصة في قوم جهلوا أحكام الشَّرْع، ولذلك لم يطبق عليهم حكم الرّدّة، لفقدان شرط العلم، والإدراك بالجرم، كما أنّ الرواية الأخرى عن عمر بن عبد العزيز تدل على أنّ الحد يقام إذا كان المرتد محلاً لإقامة الحكم، لعلمه بالشَّرْع، حيث إنه ورد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله بشأن المرتد: «أن سله عن شرائع الإسلام، فإن كان قد عرفها فأعرض عليه الإسلام، فإن أبى فاضرب عنقه، وإن كان لم يعرفها فغلظ الجزية ودعه» (3)، وهذا يدل على أنّ المرتد إذا لم ينطبق عليه شروط الرّدّة، أو أركانها، كأن يكون جاهلاً أو متأوّلاً، أو كلاهما، فإنّه يمكن حينئذ تعزيره، وهذا يطبق على كل جريمة حد، إذا لم تستوف شروطها وأركانها، وقد ورد أمثلة لذلك عديدة في فقه السلف، حيث لم يقم عمر رضي الله عنه حدّ السَّرِقَة على من سرق بسبب جوعه عام الرمادة، ودرء عثمان رضي الله عنه حد الزنى عن جارية نشأت تجهل حكم الزنى، ولذلك لا حجة بالاستدلال بما نقل عن عمر بن عبد العزيز. بهذا الصدد، حيث إنّ ذلك مقصورٌ على الحالات التي لا تتوافر فيها شروط إقامة الحد على جريمة الرّدّة.
أيضاً ورد من الأقوال المعاصرة من يرى أن سبب التعزير في جريمة الرّدّة هو أنّ الحدود لا تثبت بحديث الآحاد، وأنّ الكفر بنفسه ليس مبيحاً للدّم، وإنّما المبيح هو محاربة المسلمين، وفتنتهم عن
(1) هو محمد بن أحمد أبو زهرة، من كبار العلماء في عصره، كان وكيلاً لكليّة الحقوق في جامعة القاهرة. له مؤلفات كثيرة، مات بالقاهرة سنة 1394 هـ. انظر: الأعلام (8/ 13).
(2) الكباشي: د. المكاشفي طه، الرّدةّ ومحاكمة محمود محمد طه في السودان، ص (34).
(3) الكباشي: د. المكاشفي طه، الرّدةّ ومحاكمة محمود محمد طه في السودان، ص (370).