وجوب تحكيم الكتاب والسنّة، والاحتكام إلى شرع الله، أو أنّ الرابطة بين المسلمين هي الإيمان بالله ورسوله، أو وجوب إقامة الحدود. كما تقع الرّدّة بجحد تحريم ما حرّم قطعاً في الإسلام، نحو تحريم الخمر والزنى. كما تقع بفعل يناقض ويضاد الإيمان، نحو السجود لصنم، أو الصلاة مع النصارى في الكنائس، أو الدعاء والاستغاثة بغير الله من المخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، اعتقاداً بألوهيّة المخلوق، أو الاستهزاء بالله ورسوله، أو سبّ الله تعالى، أو كتبه، أو رسله، سواء أكان فعل ذلك مزاحاً أم في مجال الجّد.
ويشترط لإقامة حدّ الرّدّة التثبت من وقوع الرّدّة، قَالَ ابن تَيْمِيَّة رحمه الله: «لا يجب أن يحكم على كل شخص بأنه كافر، حتى تثبت في حقّه شروط التكفير وتنتفي موانعه، مثل من قَالَ: إنّ الخمر أو الرِّبَا حلال، لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاماً أنكره، ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. فإنّ هؤلاء لا يكفّرون حتى تقوم عليهم الحجّة بالرسالة .. وقد عفى الله لهذه الأُمّة عن الخطأ والنسيان» (1).
كما أنّ إجراء حكم المرتدّ إنما يكون على «من كان مسلماً ثم ارتدّ عن الإسلام»، وذلك بهدف تميز من نشأ على الكفر، وولد من أبوين مرتدين، بعد ردتهم، فإنّ هؤلاء لا يُعتبرون مرتدين، وإنّما يعاملون كالكفار، لأنهم يعدون كفّاراً أصليين.
يقول ابن قُدامة في المُغْني: «فأما أولاد المرتدين، فإن كانوا ولدوا قبل الرّدّة فإنه محكوم بإسلامهم تبعاً لآبائهم، ولا يتبعونهم في الرّدّة، لأن الإسلام يعلو وقد تبعوهم فيه، فلا يتبعونهم في الكفر .. وإن كفروا فهم مرتدون حكمهم حكم آبائهم في الاستتابة .. وأما من حدث بعد الرّدّة فهو محكوم بكفره، لأنه ولد بين أبوين كافرين .. نصّ عليه أحمد (2).
ولهذا يعامل أبناء أفراد الطوائف، التي ارتدت عن الإسلام الماضي، وولدوا بعد الرّدّة -كالمنتسبين إلى طائفة القاديانيّة (3)، أو الإسماعيليّة (4)، والبهائية (5)، وغيرها من طوائف الكفر- معاملة
(1) ابن تَيْمِيَّة: مجموع الفتاوى (35/ 166)
(2) ابن قُدامة: المُغْني (8/ 137).
(3) القاديانيّة: حركة نشأت سنة 1900 م بتخطيط من الاستعمار الانكليزي في القارّة الهنديّة، وكان الداعي لها رجل يُسمى مرزا غلام أحمد الذي ادعى أنه المسيح، ثمّ أنه نبيّ ثم ادعى الألوهيّة. انظر: الجهني، د. مانع بن حمّاد، الموسوعة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (1/ 421).
(4) الاسماعيليّة: فرقة باطنيّة ظاهرها التشيّع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، يؤمنون بالتقيّة ويقولون بالتناسخ وينكرون صفات الله، فهو عندهم لا قادر ولا عاجز، يقول الإمام الغَزَالي عنهم: «المنقول عنهم الإباحة المطلقة، ورفع الحجاب واستباحة المحظورات واستحلالها، وانكار الشرائع، إلاّ أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم». انظر: الجهني، الموسوعة الميسرة (1/ 391).
(5) البهائية: حركة نشأت سنة 1260 هـ/1844 م تحت رعاية الاستعمار الروسي واليهوديّة العالميّة والاستعمار الانكليزي، بهدف إفساد العقيدة الإسْلاميَّة، أسسها الميرزا علي محمد رضا الشيرازي، وهي حركة خارجة عن الإسلام بحكم انكارهم، أنّ رسول الله هو خاتم الأنبياء وادعائهم بأن روح الله قد حلّت في البهاء. انظر: الجهني، الموسوعة الميسرة (1/ 416).