تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن كان ما صار الناجم بدعة، لا تبلغ مبلغ الرّدة، فيتحتم على الإمام المبالغة في منعه ودفعه، وبذل كل الجهود في ردعه ووزعه .. فهذا كلّه إذا أخذت البدع تبدو، أو أمكن قطعها، فأما إذا شاعت الأهواء، وذاعت، وتفاقم الأمر .. وفات استدراكه .. وعسرت مقاومة ومصادمة ذوي البدع والأهواء، وغلب على الظّن مسالمتهم ومتاركتهم، وتقريرهم على مذاهبهم وجه الرَأْي، ولو جاهدهم لتألبوا وناشبوا ونابذوا الإمام .. وسلوا أيديهم عن الطاعة .. وقد يتداعى الأمر إلى تعطيل الثغور .. واستجراء الكفار، فإن كان كذلك، لم يظهر ما يخرق حجاب الهيبة، ويجر منتهاه عسراً وخيبة» (1).

وممّا سبق، يظهر أنّ الدَّوْلَةمع عملها في حفظ الدين على أصوله، ليس لها إجبار أحد من المسلمين، أو إكراهه بالعنف والسيف على ترك اعتناق عقائد أو عبادات بعينها، حتى ولو كانت بدعاً ما دام مرجع المسلمين في ذلك الكتاب والسنّة، وأدلة الشَّرْع، وما لم يخرج أهل هذه البدع على الدولة، أو يرتدوا عن دين الإسلام.

وإنما تعمل الدَّوْلَةجاهدة على تبيان الحق ونشره، ولها في ذلك منع الدعوة إلى البدعة، والتحذير من شرّها، وكذلك التشهي بمن يدعو إليها، ويعمل على إغواء العوام بها، وذلك دون اللجوء من الدَّوْلَةإلى القوة المادية، من قتل أو سجن، ودون قتالهم، أو قتلهم، ودون سلبهم حقوقهم المَدَنيَّة، من فيء، أو غيره، ما داموا مقيمين على الطاعة، وأيديهم مع سائر المسلمين، ولم يخرجوا ببدعهم إلى الكفر الصريح، أو يخرجوا على الدولة.

والذي ينبغي أيضاً ملاحظته، أنه مع لجوء الدَّوْلَةإلى منع أهل البدع من الدعوة إليها، والتشهير بهم، عند الحاجة لذلك-لواجب في حفظ الإسلام-إلا أنه ينبغي أن يتم القيام بذلك وفق الطرق القضائية المتبعة في الدولة، فليس لها التشهير، أو المنع، أو مصادرة الكتب مثلاً، إلا بعد عرض الأمر على القضاء، وصدور حكم قضائي يثبت وجود البدعة، والمخالفة لما علم من الإسلام، ويوجب إنزال عقوبة التشهير أو التعزير بالدّعاة إلى تلك البدعة أو المخالفة.

ما سبق تفصيله يتعلق بالاجتهادات، والمخالفات البدعية، أما إن كان الاجتهاد والفهم في الفروع، وله تأويل سائغ في النُّصُوص الشَّرْعية، كاختلاف فقهاء المذاهب، فإنّ الدَّوْلَةفي هذه الحالة ليس لها مطلقاً إجبار أحد على مذهب فقهي معيّن، أو العمل بحكم شرعي معيّن، فيما يختص بالأفراد، فيما بينهم، إذا لم يحتكموا فيه إلى الدولة، وليس لها فرض فهم، أو اجتهاد فقهي، على العامة أو إجبارهم على التقيد به، حيث يقول الإمام الجويني في ذلك: «فأما اختلاف العلماء في فروع الشَّرِيعَة، ومسائل

(1) الجويني، أبو المعالي، عبد الملك: غيّاث الأمم في التياث الظلم ص (185 - 188).

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٦٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٦٠٩