تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هؤلاء الفقهاء على ذلك بفعل علي رضي الله عنه، فإنه كان يخطب يوماً فقَالَ رجل في باب المسجد: لا حكم إلا لله، فقَالَ علي: «كلمة حق أُريد بها باطل» (1)، ثم قَالَ: ... «لكم عليّ ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله، أن تذكروا فيها اسم الله تعالى، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال»، كما احتج الفقهاء أيضاً بما ورد من أن عدي بن أرطاة، كتب إلى عمر بن عبد العزيز أنّ الخوارج يسبونك، فكتب له: إن سبوني فسبهم، أو اعف عنهم، وإن شهروا السلاح عليهم، وإن ضربوا فاضرب. ومن الأدلة على ذلك أيضاً أن النَّبِيّ عليه السلام لم يتعرض للمنافقين الذين معه في المدينة .. فعدم التعرض لغيرهم، أولى .. (2).

ويعلل الشَّاطِبِي السبب، الذي من أجله لم يشرع الإجبار والإكراه، عمّن انتسب إلى الإسلام من أهل البدع، من لم يرتدوا أو يشهروا السلاح، بأن أهل هذه الفرق المبتدعة، قد ظهر منهم اتحاد القصد مع أهل السنّة والجماعة، في مطلب واحد هو الانتساب إلى الشَّرِيعَة، إذا نظرنا إلى مقاصد الفريقين، وإنّما وقع اختلافهم في الطريق، فحصل من هذا الخلاف في هذه المسألة من أصول الدين، وصار بصحة القصد، كالخلافات في فروع الأحكام، في كونه لا يخلّ بصحة الإسلام، وفي كون المخطئ يعذر فيه (3).

ولهذا يقول الشَّاطِبِي لتأكيد المعنى السابق من عدم الإكراه لأهل الفِرق: ذلك أنّ كل فرقة تدعي الشَّرِيعَة .. وأنها المتّبعة لها .. وهي تناصب العداوة من نسبها إلى الخروج عنها .. وبذلك يخالفون من خرج عن الإسلام لأن المرتد إذا نسبته إلى الارتداد أقرّ به ورضيه .. بخلاف هؤلاء الفِرق فإنهم مدّعون الموافقة للشارع، والرسوخ في إتباع شريعة محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. (وسبب العداوة بينهم وبيم أهل السنّة) ادعاء بعضهم على بعض الخروج على السّنة (4). وإذا رجعنا إلى الاستدلالات القرآنية أو السنيّة على خصوص وجدنا كل طائفة تتعلق بذلك أيضاً ... (5).

ومن هذه الأقوال يتأكد، أنه ليس للدولة إجبار أو إكراه على اعتناق عقائد متنازع فيها، أو أحكام تعبديّة متنازع فيها، بين المسلمين، ما دام المخالف لم يخرج عن دائرة الإسلام، وما دامت

(1) رواه مسلم (2/ 749) كتاب الزكاة: باب التحريض على قتل الخوارج، وقد ورد هذا الأثر في قصة علي مع الخوارج ضمن حديث مرفوع.

(2) ابن قُدامة المقدسي: المُغْني (8/ 111 - 112).

(3) الشَّاطِبِي: الاعتصام (2/ 87).

(4) الشَّاطِبِي: الاعتصام (2/ 203).

(5) الشَّاطِبِي: الاعتصام (2/ 253).

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٦٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٦٠٧