تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعليه واجه الشَّارِع في تشريعه لهذه العقوبات العوامل النفسية التي تدعو إلى ارتكاب الجريمة بالعوامل النفسية التي تصرف عنها، ليصون لمريد الإجرام بدنه وكرامته، وليصون للآخرين حقوقهم، وينعم الجميع بالأمن في مجتمع لا تقع فيه الجريمة إلا لماماً (1).

فما الدافع الذي يدفع إلى ارتكاب جريمة الزِّنَا؟ أليس هو طلب المتعة وقضاء الأرب وقصد اللذة والاستمتاع؟ فماذا فعلت الشَّرِيعَة في عقوبتها؟ لقد قابلت ذلك بالعوامل النفسية التي تدفع عنها بما أوجبته من عقوبة غليظة تصيب بدنه كله كما عمت المتعة بدنه كلّه، وأي شيء يحقق الألم ويذيق مس العذاب أكثر من الجلد مائة جلدة؟

وشفيعه في هذه العقوبة الخفيفة تأخره في الزواج، أما إذا تزوج فأحصن فقد حرصت الشَّرِيعَة أن تجعل له بعد الإحصان سبيلاً إلى الجريمة وكيف يصل إليها وقد أباحت للزوج الطلاق وأحلّت له أن يتزوج بأكثر من امرأة ففتحت كل أبواب الحلال وأغلقت دونه باب الحرام، فكان عدلاً وقد انقطعت المحاذير التي تدعو إلى تخفيف العقاب، وأن يؤخذ المحصن بالعقوبة التي لا يصلح غيرها لمن استعصى على الإصلاح ولقد نصّ القرآن بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (2) ونصّ بقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (3).

وبالإضافة إلى العقوبة الحسية يأتي الأذى المعنوي الذي يغشى كيان المرتكب لجريمة الزِّنَا بما قررته الشَّرِيعَة من علنية العقوبة، فواجهت متعة الجسد التي يحرص الزِّنَاة على تحقيقها وتدفعهم إلى ارتكاب ما يرتكبون من الموبقات لأجلها إلى ألم عام يغشى الجسد كله وإلى أذى نفسي عام يغشى نفسه، ويملك عليه أقطارها ليرتدع مريد الزِّنَا على الجريمة فيسلم له جسده وتسلم له نفسه، وتسلم للآخرين أعراضهم وكرامتهم، وينعم الجميع بسلامة الأنفس والأعراض.

والبواعث التي تدعو القاذف للافتراء والاختلاق كثيرة منها الحسد والمنافسة والانتقام ولكنها جميعها تنتهي إلى غرض واحد يرمي إليه كل قاذف هو إيلام المقذوف وتحقيره.

وقد وضعت عقوبة القذف في الشَّرِيعَة على أساس هذا الغرض فالقاذف يرمي إلى إيلام المقذوف إيلاماً نفسياً، فكان جزاؤه الجلد ليؤلمه إيلاماً بدنياً وهذا أشدّ وقعاً على النفس والحس، والقاذف يرمي من وراء قذفه إلى تحقير المقذوف، وهذا التحقير فردي لأن مصدره فرد واحد هو

(1) انظر حول ذلك: الصاوي، صلاح: تحكيم الشَّرِيعَة ودعاوى العَلْمانية (184 - 185).

(2) النور / 2.

(3) النور / 2.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٥١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٥١٥