أساس محاربة الدوافع الخاصة بكل جريمة، فالدوافع التي تدعو إلى الجريمة تحارب بالدوافع التي تصرف عنها.
فالجريمة التي تدفع إليها اللذة والشهوة تعاقب بعقوبة تتصف بالألم ولا يمكن أن يستمع الإنسان بنشوة اللذة إذا تذوق مس العذاب أو توقع أنه سيذوقه، ولذا يكون ما يبعده عن التفكير في اقتراف الجريمة، وبهذا تكون الجريمة قد حاربتها الشَّرِيعَة في النفس قبل أن تحاربها في الحسّ وعالجتها بالعلاج الوحيد الذي لا ينفع غيره، ويظهر هذا بوضوح تام في العقوبات المقررة لجرائم الحدود ولجرائم القصاص والديّة.
يقول الإمام ابن قَيِّم الجَوْزِيَّة: «لما تفاوتت مراتب الجنايات لم يكن بد من تفاوت مراتب العقوبات، وكان من المعلوم أن الناس لو وكّلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك، وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنساً ووصفاً وقدراً، لذهبت بهم الآراء كل مذهب، وتشعبت بهم الطُّرق كل متشعب، ولعظم الاختلاف، فكفاهم أرحم الراحمين مؤونة ذلك وأزال عنهم كلفته، وتولى بحكمته وعلمه ورحمته تقديره نوعاً وقدراً، ورتّب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة وما يليق بها من النكال، وأنت تلحظ أن هناك تناسباً جيداً بين الجريمة وعقوبتها المقررة لها بحيث لو وضعت واحدة مكان أخرى أو لو عممّت عقاباً واحداً على جرائم متعددة لظهر لك على الفور الاختلال والاضطراب وعدم العدل في الأحكام .... فالشَّرْعية مثلاً عاقبت على السَّرِقَة بقطع اليد، ولكنها لم تعاقب على القذف بقطع اللسان ولم تعاقب الزِّنَا بالخصاء وعاقبت في القتل بالقصاص، ولكنها لم تعاقب في إتلاف المال بالقصاص وسبحان اللطيف الخبير» (1).
ولهذا كانت العقوبة في الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة قائمة على واقعية عقدية تامة الضبط والأحكام لأنه مما لا شكّ فيه أن العقوبة التي تقوم على أساس العلم بالطبيعة البشرية وفهم نفسية المجرم هي العقوبة التي يكتب لها النجاح لأنها تحارب الإجرام في نفس الفرد وداخله قبل أن تحاربه في حسه وظاهره الأمر الذي يجعل الشخص يبتعد حتى عن مجرد التفكير في اقتراب المنكر.
(1) ابن قَيِّم الجَوْزِيَّة: أعلام الموقعين (2/ 82 - 83).