تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القاذف فكان جزاؤه أن يحقر من الجماعة كلها، وأن يكون هذا التحقير العام بعض العقوبة التي تصيبه فتسقط عدالته ولا تقبل له شهادة أبداً ويوصم بأنه من الفاسقين.

والدافع الذي يدفع شارب الخمر لشربها هو رغبته في أن ينسى آلامه النفسية ويهرب من آلام الحقائق إلى سعادة الأوهام التي تولدها نشوة الخمر ولكن عقوبة الجلد ترده إلى ما هرب منه وتضاعف له الألم إذ تجمع له بين ألم النفس وألم البدن.

والدافع الذي يدفع إلى السَّرِقَة هو أن السارق يرغب في مزيد من الكسب ومزيد من الثراء ولكن بكسب غيره ليزيد من قدرته على الإنفاق وليكف نفسه عن عناء الكد وقد حاربت الشَّرِيعَة هذا الدافع بتقرير عقوبة القطع لأن قطع اليد أو الرِّجل يؤدي إلى نقص الكسب ونقص الثراء ويدعو إلى شدّة الكدح وكثرة العمل.

قَالَ القاضي عياض (1) رحمه الله: «صان الله الأموال بإيجاب القطع على السارق ولم يجعل ذلك في غير السَّرِقَة، كالاختلاس والانتهاب والغصب، لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السَّرِقَة، ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور وتسهل إقامة البينة عليه بخلاف السَّرِقَة، فإنه تندر إقامة البينة عليها فعظم أمرها واشتدت عقوبتها ليكون أبلغ في الزجر عنها (2).

وفي عقوبة الحرابة نجد الشَّرِيعَة قد وضعت العقوبة على أساس من العلم بطبيعة الإنسان البشرية، فالقاتل تدفعه إلى القتل غريزة تنازع البقاء بقتل غيره ليبقى هو، فإذا علم أنه حين يقتل غيره إنما يقتل نفسه أيضاً امتنع في الغالب عن القتل، فالشَّرِيعَة بتقريرها عقوبة القتل دفعت العوامل النفسية الداعية للقتل بالعوامل النفسية الوحيدة المضادة التي يمكن أن تمنع من ارتكاب الجريمة بحيث إذا فكر الإنسان في قتل غيره ذكر أنه سيعاقب على فعله بالقتل فكان في ذلك ما يصرفه غالباً عن الجريمة.

وقل مثل ذلك عن القصاص وبقية الحدود، فسبحان الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى، وسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.

(1) هو عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي ولد سنة 476هـ وتوفي سنة 544 هـ. عالم المغرب ولي قضاء سبتة ثم قضاء غرناطة له مؤلفات شهيرة منها: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، وشرح صَحِيْح مسلم، والإلمام وغيرها، وفي أخباره كتب هو: «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض». انظر: أعلام النبلاء (20/ 212) والأعلام (5/ 99).

(2) النووي، شرح مسلم (11/ 180) وما بعدها. .

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٥١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٥١٦