تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويضيف الأصوليون أن حكمة الشَّارِع قد اقتضت في حفظ هذه الأنواع الثلاثة على أتم وجه أن شرع مع الأحكام التي تحفظ كل نوع منها أحكاماً تعتبر مكملة لها في تحقيق هذه المقاصد، ففي الضروريات لما شرع القصاص لحفظ النفوس شرع التماثل فيه ليؤدي الغرض منه من غير أن يثير العداوة والبغضاء لأن قتل القاتل بصورة أفظع مما فعل، قد يؤدي إلى سفك الدماء وإلى نقيض المقصود من القصاص ولما حرّم الزِّنَا لحفظ العرض حرّم الخلوة بالأجنبية سداً للذريعة، ولما حرّم الخمر حفظاً للعقل حرم القليل منه ولو لم يسكر وجعل كل ما لا يتم الواجب إلا به واجباً، وكل ما يؤدي إلى المحظور محظوراً ...

وممّا قدمنا يتبين أن الضروريات عند الأصوليين أهم المقاصد وتليها الحاجات وتليها التحسينات وعلى هذا، فالأحكام الشَّرْعية التي شرّعت لحفظ الضروريات أهم الأحكام وأحقها بالمراعاة، وتليها الأحكام التي شرّعت لتوفير الحاجيات ثم الأحكام التي شرّعت للتحسين والتجميل، فلا يراعى حكم تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بحكم ضروري أو حاجي ولا يراعى حكم حاجي إذا كان في مراعاته إخلال بحكم ضروري، وأما الأحكام الضرورية فتجب مراعاتها ولا يجوز الإخلال فيها، إلا إذا كانت مراعاة ضرورية تؤدي إلى الإخلال بضروري أهم منه ولهذا أبيح شرب الخمر إذا أكره على شربها بإتلاف نفسه أو عضو منه أو اضطر إليها في ظمأ شديد.

وعلى هذه القاعدة الأصولية وضع الأصوليون القواعد الشَّرْعية الخاصة بدفع الضرر: فعل الضرر يزال شرعاً والذي من فروعه تشريع العقوبات على الجرائم ومثل يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام ومن فروعه قتل القاتل لتأمين الناس على نفوسهم، ومثله سائر العقوبات، وغير ذلك من القواعد الشَّرْعية الخاصة بدفع الضرر.

وقد ذكرت المجلة ثلاث (1) قواعد بشأن الضرر هي أصول بالنسبة لغيرها:

الأولى: للنهيّ عن إيقاعه وعلى جادة المثال قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» (2).

(1) مجلة الأحكام العدليّة: أعدتها لجنة من كبار علماء الدَّوْلَة العثمانيّة، الأحناف عام 1286 هجرية، ثمّ صدرت قانوناً مدنياً شرعياً عاماً في الخلافة العثمانيّة منذ عام 1293 هجرية.

انظر: القواعد الفقهيّة: الزرقا حسب ترتيبها.

(2) القاعدة (18)، ص (165 - 177).

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٥٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٥٠٤