تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن المتفق عليه بين الفقهاء أن لولي الأمر حقه العفو في جرائم التعازير، فله أن يخفف العقوبة وله أن يعفو وليس فرضاً عليه أن يوقع العقوبة والدليل على ذلك:

ما رواه أحمد عن معاذ بن جبل (1) رضي الله عنه قَالَ: «أتى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - رجل فقَالَ: يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة يعرفها فليس يأتي الرَّجُل من امرأته شيئاً إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (2) فقَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: توضأ ثم صل» (3) فهذا رجل ارتكب حراماً وأقرّ أمام النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك لم يعاقبه وعفا عنه واكتفى منه في رواية بقوله: «توضأ وصل» وفي رواية أخرى قَالَ له: «أصليت معنا» قَالَ: نعم، فتلا عليه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (4)» (5).

فهذا دليل على أن الحاكم إذا رفعت له قضية من قضايا التعزير فإنّ له أن يعفو عن المجرم.

وكذلك له أن يخفف عقوبتهم وأن يجعلها أدنى حد، فعن عائشة رضي الله عنها أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» (6)، وفي حديث آخر «فيما لم يكن حداً من حدود الله» (7) وأقَالَ عثرته: ساعده على النهوض من كبوته، يعنى إما بالعفو عنه وإما بالتخفيف عنه.

وعن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الأنصار كرشي وعيبتي (8) والناس سيكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» (9).

(1) هو معاذ بن جبل بن عمرة الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن، صحابي جليل كان أعلم الأمة بالحلال والحرام، أسلم وهو فتى، وشهد العقبة والمشاهد كلها وبعد غزوة تبوك بعثه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن معلماً ولما توفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عاد إلى المدينة واستخلفه عمر على الشام ومات بها عام 18هـ له 157 حديثاً. انظر: سير أعلام النبلاء (1/ 443) وتهذيب التهذيب (10/ 186) الأعلام (7/ 258).

(2) هود / 114.

(3) مُسْنَد الإمام أحمد رقم (21735) وصَحِيْح ابن حِبِّان بمعناه (5/ 17) (5/ 19 - 20) وصَحِيْح البُخَارِيّ بمعناه رقم (520) وصَحِيْح مسلم بمعناه عن عبد الله بن مسعود رقم (6950).

(4) هود / 114.

(5) مُسْنَد الإمام أحمد رقم (21735) وصَحِيْح ابن حِبِّان بمعناه (5/ 17) (5/ 19 - 20) وصَحِيْح البُخَارِيّ بمعناه رقم (520) وصَحِيْح مسلم بمعناه عن عبد الله بن مسعود رقم (6950).

(6) صَحِيْح ابن حِبِّان (1/ 296) ومجمع الزوائد (6/ 282) وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (8/ 161) وسُنَن الدَّارَقُطْنِيّ (3/ 207) وسُنَن أبي داود (4/ 133) ورق (4375) بإسناد حسن وقَالَ سليم عيد الهلالي: وله طرق وشواهد يصح بها أو عبَ في تخريجها الألباني حفظه الله في الصَحِيْحة (638) وانظر الاعتصام للشاطبي (1/ 274).

(7) سُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى، (8/ 161)، (8/ 267)، ومُسْنَد الشَّافِعِي، (1/ 363)، وموطأ مالك، (2/ 343)،

(8) يُقَال: كرش الرجل بطانته وخاصته (المعجم الوسيط، ص (783). وعيبة الرجل: موضع سرّه.

(9) صَحِيْح البُخَارِيّ (3/ 1383) وسُنَن التِّرْمِذِي (5/ 715) ومجمع الزوائد (10/ 36) وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (6/ 371) والأحاديث المختارة لمحمد بن عبد الواحد المقدسي (4/ 266).

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٤٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٤٩٠