فهذه الأحاديث صريحة في الدلالة على عدم جواز العفو في الحدود مطلقاً لا للخليفة ولا لصاحب الحق بعد أن تصل القضية إلى الحاكم، وإنما يندب الستر على الجاني قبل الرفع إلى الحاكم تمكيناً له من إصلاح خطئه والندم على فعله والتوبة من معصيته وأدلة الأخذ بمبدأ الستر ما رواه مسلم والتِّرْمِذِي عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة» (1) وحديث ابن عَبَّاس مرفوعاً عند ابن ماجة: «من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ومن كشف عورة أخيه، كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته» (2) «وبناء عليه تكون الشَّهادَة على الذنب خلاف الأولى» (3).
وعلى المسلم أن يستر نفسه بالتحدث عما صدر عنه إيثاراً للستر لا تهرباً من العقوبة، فقد أخرج الإمام مالك (4) في الموطأ عن زيد بن أسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يا أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله ... من أصاب شيئاً من هذه القاذورة فليستتر يستره الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله» (5)
وتحرم الشفاعة وقبولها في حدود الله بعد أن تبلغ الحاكم (6)، أما قبل ذلك فهي جائزة لما أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم عن عبد الله بن عمر: «تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب» (7).
وعليه، فليس للعفو أي أثر على الجرائم التي تجب فيها عقوبات الحدود، فالعقوبة في هذه الجرائم لازمة محتمة ويعبر الفقهاء عنها بأنها حق لله تعالى لأن ما كان حقاً لله امتنع العفو فيه أو إسقاطه.
(1) صَحِيْح مسلم، (4/ 2074)، سُنَن التِّرْمِذِي (4/ 34) وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (6/ 201) وسُنَن أبي داود (4/ 287) وغيرهم.
(2) صَحِيْح ابن حِبِّان (2/ 274) وسُنَن ابن ماجة (2/ 850).
(3) الزحيلي: العقوبات الشَّرْعية والأقضية والشهادات، ص (18).
(4) هو إمام دار الهجرة، أبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي الحميري، مولده بالمدينة عام 93هـ وهو من أئمة أهل السنّة والجماعة المعتبرين صنف الموطأ وتوفي بالمدينة سنة 179هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (6/ 48) وتهذيب التهذيب (10/ 5) والأعلام (5/ 176).
(5) المستدرك للحاكم (4/ 425) وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (8/ 326) وموطأ مالك (2/ 825).
(6) غاية المنتهى (3/ 312).
(7) المستدرك للحاكم (4/ 424)، وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (8/ 331)، وسُنَن الدارقطني (3/ 113) وسُنَن أبي داود (4/ 133)، والسُنَن الكبرى، (4/ 330)، والمعجم الأوسط، 06/ 210)