أنّ الشجاج في الرأس، والجراح في البدن فلا تكون أحاديث الجراح دليل عليها ثمّ إنّه لم يرد نص يدلّ على القصاص في الشجاج، لا في الكتاب ولا في السنّة، وإنّما ورد النّص في ديّة الجراح، ولذلك كانت عقوبة الشجاج هي الديّة الواردة في السنّة الشريفة.
ومن الشِّجاج الموضَّحَة وهي الجرح الذي أبدت وضح العظم وهو بياضه، وجراح أخرى في الرأس والوجه ويقَال لها الهاشمة، وهي جرح يتجاوز الموضحة فيهشم العظم وسميت هاشمة لهشمها العظم، وجراح أخرى تكون في الرأس والوجه ويُقَال لها المُنَقِّلة بتشديد القاف وكسرها. وهي الجرح الذي يتجاوز الهاشمة فيكسر العظم ويزيلها عن مواضعها فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئم، وجراح أخرى تكون في الرأس والوجه ويقَال لها المأمومة، وهي الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ أي إلى جلدته، فإذا وصلت الجراحة إليها سميت أمة و مأمومة. هذه الشجاج جاء النص بمقدار ديتها، ففي الموضحة خمس من الإبل، لما ورد في كتاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لعَمْرو بن حَزْم «وفي الموضِّحة خمس من الإبل». وفي الهاشمة دية الموضحة، وحكومة عدل، لأنها موضحة وزيادة، ونظراً لأنه لم يرد نص بخصوصها بالذات أخذت دية الموضحة للنص، وجعلت حكومة على ما زاد، لأنه جرح لا عقل له معلوماً. وفي المُنقِّلة خمس عشرة من الإبل، لما رواه أبو بكر بن عَمْرو بن حَزْم عن أبيه عن جده عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَالَ: «وفي المنقِّلة خمس عشرة من الإبل» وفي المأمومة ثلث الدية لما ورد في كتاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لعَمْرو بن حَزْم: «وفي المأمومة ثلث الدية». هذه هي الشجاج الخاصة بالرأس والوجه التي جاء النص بها، وما عداها من باقي الشجاج، أي من باقي جروح الرأس والوجه مما لم يأت به نص فإن فيه حكومة عدل.
هذه هي ديات ما دون النفس التي ورد تقديرها في نصوص الشَّرْع، وتقديرها إنما ورد للأعضاء والشجاج وبعض الجروح. أما تقدير دية الأعضاء فإنه قد ورد النص في بعضها، ولم يرد في بعض الآخر، ولكنه نص جاء لأعضاء الجسم، ومن تتبعه نجده قد جعل الدية كاملة في العضو الذي يوجد في الإنسان منه شيء واحد كاللسان، وجعلها نصفاً في العضو الذي في الإنسان منه شيئان كاليدين، وجعل في الإصبع عشر الدية في اليدين، وعشرها في الرجلين، فاستنبطنا من ذلك أي من هذا التتبع مقدار دية العضو سواء جاء النص به لذاته أو لم يأت. فتكون دية جميع الأعضاء قد ورد الدليل عليها.