وعن جابرٍ: «أنّ رجلاً جُرح فأراد أن يستقيد، فنهى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح» (1) وهذا الحديث ممّا يدلّ أنّ القَوَدَ في الجراح وأنه يكون بعد البرء والشفاء، وبشرط أن يكون عمداً فإن كان في غير العمد ففيه الدية فيما جاء فيه نص بمقدار الدية، وفيه حكومة عدل فيما لم يأت به نص. والنص إنما جاء في الجائفة وحدها، عن أبي بكر محمد بن عَمْرو بن حَزْم عن أبيه عن جده أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كتب كتاباً إلى أهل اليمن ومما جاء فيه: «وفي الجائفة ثلث الدية» والجائفة هي الجرح الذي يصل إلى الجوف، قَالَ في القاموس: الجائفة هي الطعنة التي تبلغ الجوف أو تنفذه، ثم فسرّ الجوف بالبطن، وبما أن النُّصُوص الشَّرِيعَة إنما يرجع في تفسيرها إلى المعنى اللغوي وحده إن لم يرد معنى شرعي في الكتاب والسنة، ولم يرد نص شرعي يفسر الجائفة فلم يبق إلا المعنى اللغوي، وعليه لا تكون الجائفة، إلا في الجوف أي البطن كما فسره القاموس، فكل جرح وصل إلى الجوف، أي داخل البطن ولو بمغرز إبرة فإنه يكون جائفة، وما عداه لا يقَال له جائفة، فالجرح الذي يصل إلى الداخل من ظهر أو صدر أو ثغرة نحر أو ورك أو غير ذلك لا يعتبر جائفة، ولا يطبق عليه حكمها، لأن الجائفة محصورة بشيء واحد هو ما يصل إلى الجوف من البطن ليس غير، وإن أجاف جائفتين بينهما حاجز فعليه ثلثا الدية.
ومثل الجائفة فتق الصغيرة بالوطء، فمن وطئ زوجته وهي صغيرة ففتقها لزمه ثلث الدية، فقد روي عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنه قضى في الأفضاء بثلث الدية، ولم يعرف عنه في الصحابة مخالف فكان إجماعاً. ومثل الزوجة المزنية فلو زنى بصغيرة فأفضاها لزمه ثلث الدية، ومهر مثلها، لأنه حصل بوطء غير مستحق، ولا مأذون فيه فلزمه ضمان ما أتلف به كسائر الجنايات.
وأمّا الشّجاج (2)، والتي هي في الرأس، فلا قَوَد فيها، أي لا يجري فيها القصاص، وذلك لأنها لا تدخل تحت أحاديث الجراح، لأنها ليست جراحاً، ولا يُطلق عليها اسم الجراح. ومعلومٌ عند العلماء
(1) سُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى، (8/ 67)، ومجمع الزوائد، (6/ 296)، وسُنَن الدارقطني، (3/ 88)، ومصنّف ابن أبي شيبة، (5/ 438).
(2) الشجاج عند الحَنَفِيَّة إحدى عشرة شجة: الخارصة والدامعة والخارصة والدامية والباضعة والمتلاحمة والسِّمحاق والموضحة والهاشمة والمنقلة والآمّة والدامغة، أما المالكية والشَّافِعِية والحنابلة فيحذفون الثانية وهي الدامعة وبذلك يكون الشجاج عند الجمهور عشرة إلا أنهم يختلفون في تسمية بعضها فيما بينهم.
انظر: ... - الكاساني: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (7/ 296).
- الدر المختار (5/ 411). ... - تكملة فتح القدير، (8/ 311).
- الزيلعي: تبيين الحقائق، (6/ 132). ... - الدردير، الشرح الكبير (4/ 250).
- القوانين الفقهية، ص (350).
- الخطيب، محمد الشربيني: مغني المحتاج (4/ 58). - الشيرازي: المهذب، (8/ 42).
- البهوتي، منصور بن يونس: كشاف القناع (6/ 51).