ثم ذكر القرآن وأنزله بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ... ﴾ (1) ثم ذيل ذلك كله بقوله للجميع: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (2)
فمن هذا العرض، يتبين أن ما جاء عن القصاص فيما دون النفس، إنما هو تشريع لأهل التوراة «اتفق العلماء على أنه لم يلحقه في القرآن تقرير ولا نسخ وبذلك كانت من جزئيات المسألة الأصولية التي اختلف فيها العلماء وهي «شرع من قبلنا شرع لنا» وقد ذهب فيها الإمام الرَّازي والآمدي (3) وجمهور الشَّافِعِية والأشاعرة والمعتزلة إلى أنه ليس شرعاً لنا» (4).
هذا وكثيراً ما نرى الحَنَفِيَّة يستدلون على قتل المسلم بالكافر والحر بالعبد بقوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فيرد عليهم أرباب المذاهب الأخرى كالشَّافِعِية وابن حَزْم (5) والشَّوْكَاني وغيرهم بأن الآية مما كتبه الله في التوراة ولا تلزمنا شرائع من قبلنا (6).
وأما قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (7) فإنها نزلت في معاملة المسلمين للكفار، لا في عقوبات ما دون النفس، بدلالة الآيات التي قبلها، والمتصلة بها فإنها نصّ في القتال. وأمّا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (8)، فإنّه مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (9) فالمراد منه دفع الأذى عن النفس، ومقابلة الاعتداء بمثله
(1) المائدة/48.
(2) المائدة/48.
(3) أبو الحسن علي بن أبي علي ابن محمد بن سالم، الثعلبي الشيخ سيف الدين الآمدي ثم الدمشقي، أصولي، باحث، أصله من آمد ولد بها وتعلم في بغداد والشام وانتقل إلى القاهرة، له نحو عشرين مؤلفاً منها الأحكام في أصول الاحكام، توفي سنة 631هـ.
انظر: الأعلام (1/ 332) والدارس في تاريخ المدارس للنعيمي (1/ 392).
(4) شلتوت، محمد: الإسلام عقيدة وشريعة، ص (383).
(5) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حَزْم، أبو محمد عالم الأندلس، ولد بقرطبة، كانت له ولأبيه وزارة تخلى عنها زهداً منها، كان له آراء انتقد من أجلها وكان قوي الحجة سليطاً على مخالفيه، له مؤلفات أشهرها: المحلى، توفي عام 456هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (18/ 184)، الأعلام (4/ 254).
(6) شلتوت، محمد: الإسلام عقيدة وشريعة، ص (384).
(7) البقرة/194.
(8) النحل/126.
(9) الشورى/40.