إنّ الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة هي أساس الحكم على الجريمة والعقاب، وقد سبق الفقهاء المسلمون غيرهم إلى معرفة قاعدة «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص» (1) من خلال تقريرهم للقاعدتين التاليتين:
1. «لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النّص».
أي أن أفعال المكلف المسؤول لا يمكن وصفها بأنها محرمة ما دام لم يرد نص بتحريمها، ولا حرج على المكلف أن يفعلها أو يتركها حتى ينص على تحريمها.
2. «الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشَّرْعي».
فالأشياء والأفعال لا يجوز أن تعطى حكماً إلا إذا كان هناك دليل شرعي على هذا الحكم، إذ لا حكم للأشياء ولأفعال العقلاء قبل ورود الشَّرْع، قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (2) وقَالَ تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (3) ولأن الحكم لا يمكن أن يثبت إلا بأحد اثنين، إما الشَّرْع وإما العقل، أما العقل فلا محل له هنا لأن القضية قضية إيجاب وتحريم، والعقل لا يمكن أن يوجب أو يحرم، وليس ذلك منوطاً به وإنما هو منوط بالشَّرْع، فتوقف الحكم على الشَّرْع (4).
وبما أنه لا شرع قبل ورود الشَّرْع، فتوقف الحكم على ورود الشَّرْع من الله، أي على مجيء الرسول بالنسبة للشريعة كلها، والدليل الشَّرْعي بالنسبة للمسألة المراد الاستدلال عليها. وعليه، فقبل بعثة الرسول لا يقَال إنّ حكم الأشياء حلال أو حرام لأنه لا حكم لها، وكذلك الأفعال، بل للإنسان أن يفعل ما يريد دون التقيد بحكم، ولا شي عليه عند الله حتى يبعث إليه رسولاً، وحينئذ يتقيد بأحكام الله التي بلغه إياها الرسول حسب ما بلغها له.
وأما بعد بعثة الرسول كما هي الحال مع سَيِّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن رسالته عامة كل شيء ومبينة لكل شيء، قَالَ الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (5) وقَالَ تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
(1) انظر:
- ... الزحبلي، وهبة: الفقه الإسلامي وأدلته (4/ 288).
- ... عودة، عبد القادر: التشريع الجناني الإسلامي (1/ 115).
- ... حوى، سعيد: الإسلام، ص (569).
(2) الإسراء / 15.
(3) النساء / 165.
(4) النَّبَهَانِيّ، تقيّ الدِّين: الشخصية الإسْلاميَّة (3/ 12).
(5) النحل / 89.