فهذه مُثُلٌ من دعوات الأخسرين أعمالاً في شأن المرأة يبثعها كاتبوها الذين يحملون أسماء إسلاميّة، وهي معول هدم في الإسلام، لا يحمله إلاّ مستغرب مُسّيَّر، أشرب قلبه بالهوى، أفمثل هذا الفريق يجوز أن تنصب له منابر الصحافة ووجه الفِكْر في الأمّة؟ وقد ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ يبغض كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ-أي: مختال متعاظم- سَخَّاب بالأسواق، جِيفَةٍ بالليل حِمَارٍ بالنَّهارِ، عالم بأمر الدّنيا، جاهل بالآخرة» (1).
إنّ هذه المطالب المنحرفة، تُساق باسم: «تحرير المرأة» في إطار نظريتين هما: «حريّة المرأة» و «المساواة بين المرأة والرَّجُل».
وهما نظريتان غربيتان باطلتان شرعاً وعقلاً، لا عهد للمسلمين بها، وهما استمرار لجادة الأخسرين أعمالاً.
والحقّ، أنّ النداء بهاتين النظريتين إنما ولدتا على أرض أوروبا في فرنسا التي كانت ترى أنّ المرأة مصدر المعاصي، ومكمن السيئات والفجور، فهي جنس نجس حتى ولو كانت أُمَّا أو أُختاً.
هكذا نشر رهبان أوروبا هذا الموقف المعادي المتوتر من المرأة، ممّا جعل ردّة الفعل عند النّاس هاتين النظريتين، وغيرها من النظريات التي تفصل الدين عن الحياة، فنادوا بأن الدين والعلم لا يتفقان، وأنّ العقل والدين نقيضان، وبالغوا في النداءات للحريّة المتطرفة الراميّة إلى الإباحيّة والتحلل من أي قيد أو ضابط فطري أو ديني يَمَس الحرِّيَّة، حتى طغت هذه المناداة بحريّة المرأة، إلى المناداة بمساواتها بالرَّجُل بإلغاء جميع الفوارق بينهما وتحطيمها، دينيّة كانت أم اجتماعيّة.
إنّ المطالبات المنحرفة لتحرير المرأة بهذا المفهوم الإلحادي تحت هاتين النظريتين المُوَلَّدَتين في الغَرْب، هي العدوى التي نقلها المستغربون إلى العالم الإسلامي.
وكانت أول شرارة قُدحت لضرب الأمّة الإسْلاميَّة على أرض الكنانة في مصر حين عاد واعظ البعوث: رفاعة رافع الطهطاوي، المتوفى سنة (1290 هـ)، من فرنسا إلى مصر حيث بذر البذرة الأولى لتحرير المرأة ثمّ تتابع على هذا العمل عدد من المفتونين من المسلمين و غير المسلمين، وممّن تولى كِبَرَ هذه الفتنة داعيّة السفور: قاسم أمين الهالك سنة (1326هـ) الذي ألف كتابه «تحرير المرأة»، ثمّ كتاب «المرأة الجديدة» بهدف تحويل المسلمة إلى أوروبيّة، وقد ساهم في تنفيذ فكرته: سعد زغلول الهالك سنة (1346هـ) وشقيقه أحمد فتحي زغلول (2) الهالك سنة (1332هـ).
(1) صَحِيْح ابن حبّان، (1/ 273)، وموارد الظمآن (1/ 485)، وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (10/ 194).
(2) أحمد فتحي زغلول، (1863 - 1914م). درس في فرنسا وعمل في النيابة والقضاء حتى صار رئيساً لمحكمة مصر الأهليّة ووكيلاً لوزارة العدليّة من مؤلفاته (شرح القانون المدني المصري) و (المحاماة).