أولهما: عدالة الشاهد وضبطه وأن لا تكون بينه وبين المشهود عليه خصومة تبعث على اتهامه فيما يشهد عليه به، وأن لا تكون بينه وبين المشهود له قرابة تبعث على احتمال تحيزه له في الشَّهادَة (1).
ثانيهما: أن تكون بين الشاهد والواقعة التي يشهد بها صلة تجعله مؤهلاً للدراية بها وللشهادة فيها.
إذن فشهادة من خدشت عدالته أو لم يثبت كامل وعيه وضبطه لا تقبل رجلاً كان الشاهد أو امرأة لقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (2) وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (3) ومثلها شهادة الخصم على خصمه والقريب لقريبه رجلاً كان الشاهد أو امرأة.
«فإذا تحققت صفة العَدالَة وانتفت احتمالات التحيز لقرابة، واحتمالات الإيذاء لخصومه، كان لا بدّ بعد ذلك من أن يتحقق القدر الذي لا بد منه من الانسجام بين شخص الشاهد والمسألة التي يشهد بشأنها، فإن لم يتحقق هذا القدر الذي لا بدّ منه ردّت الشَّهادَة رجلاً كان الشاهد أو امرأة وإن تفاوت العلاقة بين المسألة التي تحتاج إلى شهادة وبين فئات من الناس كانت الأولوية لشهادة من هو أكثر صلة بهذه المسألة وتعاملاً معها» (4).
وانطلاقاً من هذه القاعدة، فإن الشَّارِع يرفض شهادة المرأة على وصف الجناية وكيفية ارتكاب الجاني لها، ففي الزِّنَا حددّ نصاب الشَّهادَة بأربع رجال وفي بقية الحدود والقصاص حدّد رجلين دون النساء ذلك لأن تعامل المرأة مع الجرائم والجنايات كالقتل، يكاد يكون من شدّة الندرة معدوماً، وإن وجد فهو إبعاد للمرأة عن مجالات الاحتكاك والاختلاط ومواطن الجرائم والعدوان على الأنفس والأعراض والأموال، والأرجح أنها إن شهدت هذه الجرائم كثيراً ما تغمض عينيها وتهرب صائحة مولولة فارة من هذه المشكلات بكل ما تملك، غير قادرة على الوصف بدقة ووضوح لاختلاف فطرتها وتباين طبيعتها عن الرَّجُل، وقد تقع في غيبوبة قد تفقدها الوعي.
(1) قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقبل شهادة خصم على خصمه» اعتمد الشَّافِعِي هذا الخبر وقَالَ الحافظ ليس له إسناد صَحِيْح لكن له طرق يتقوى بعضها ببعض. أفاد الشَّوْكَاني وأما شهادة الأقرباء ففيها خلاف. وقَالَ التِّرْمِذِي ما ورد في بعض الأحاديث من عدم صحة شهادة القريب لا يعرف هذا من حديث الزُّهَريّ إلا من هذا الوجه ولا يصح عندنا إسناده وقَالَ مالك لا تقبل شهادة الأخ المنقطع إلى أخيه والصديق الملاصق، انظر: سابق، سَيِّد فقه السنّة (3/ 291). انظر الحديث: سُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (10/ 201). وموطأ مالك (2/ 720) ومصنف عبد الرزاق دار إحياء التراث العربي (8/ 320).
(2) الطلاق / 2.
(3) البقرة / 282.
(4) البوطي: المرأة بين طغيان النِّظَام الغَرْبيّ ولطائف التشريع الرباني، ص (148).