إذا تبين لنا هذا المعنى وعلمنا أن الشَّارِع يحرص على أن لا يسير ثلاثة إلى عمل لهم في طريق إلا بعد أن يؤمروا واحداً منهم عليهم أدركنا أن الشَّارِع أشدّ حرصاً على أن لا تمر على أسرة في المجتمع ساعة من الزمن إلا ولها أمير يرعى شؤونها ويدير أمورها.
فالقوامة بهذا المعنى وعلى صعيد الأسرة «قوامة رعاية وإدارة وليست قوامة هيمنة وتسلط ... ثمّ أنها ليست عنواناً على أفضلية ذاتية عند الله عزّ وجلّ يتميز بها الأمير أو المدير، وإنما ينبغي أن تكون عنواناً على كفاءة يتمتع بها القائم بأعباء هذه المسؤولية» (1).
ثانياً: إن الله عزّ وجلّ جعل القوامة للرجال على النساء بما فضل بعضهم على بعض فمصدر قوامة الرَّجُل على المرأة هو الأفضلية المصلحية الآتية من توافق إمكانات الرَّجُل ووظيفته الإنفاقية مع ما تحتاج إليه الأسرة في مجال الرعاية والسهر على مصالحها الخطيرة، كما أن إسناد مهام رعاية الطفولة المتمثلة في الحضانة والرضاعة وجزء كبير تستقل به المرأة عن الرَّجُل في التربية ليس مصدره أفضلية ذاتية للمرأة على الرَّجُل، وإنما مصدرها الأفضلية ذاتها التي تتجلى في توافق إمكانات المرأة مع هذه المهام.
وبذلك تنتفي شبهة القائلين بأن الله جعل القوامة للرجال على النساء وبرر هذا الاختيار بناء على أفضلية الرجال على النساء من حيث الذات مستدلين بظاهر النّص: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (2) متناسين أن النساء متساوون مع الرجال في ميزان القرب من الله متفاوتون بين درجاتهم في ذلك تفاوت أعمالهم التي يقومون بها وصدق الله تعالى حيث أكد هذه الحقيقة في قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (3) وقوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (4).
ومن هنا يتقرر بكلمة جامعة وجيزة: «إنها أفضلية التناسب المصلحي مع الوظيفة التي يجب النهوض بأعبائها» (5).
(1) البوطي: المرأة بين طغيان النِّظَام الغَرْبيّ ولطائف التشريع الرباني ص (100).
(2) النساء/34.
(3) النحل/97.
(4) آل عمران / 195.
(5) البوطي: المرأة بين طغيان النِّظَام الغَرْبيّ ولطائف التشريع الرباني، ص (101).