ترضاها، وإنما ضرب غير مبرح مصحوب بعاطفة المؤدب المربي صدّاً لسلطان شذوذها ودفاعاً عن إنسانيتها المهزومة بل المقهورة، ووقوفاً في وجه الشذوذ الأرعن الذي طغى على إنسانيتها (1).
3 - مرحلة الحكمين: وهي آخر المراحل، بحيث إذا توتر الأمر واستمر الخلاف والشقاق ولم ينفع الوعظ والإرشاد ولم يجد الهجر في المضاجع ولا الضرب الغير المبرح، وأعيا العلاج وتجاوز الأمر الكراهية والتذمر، والنشوز إلى المخالفة والنزاع والشقاق، فإن الإسلام لم يجعل الخطوة التالية هي الطلاق، بالرغم من شدة الأزمة بينهما، بل أمر أن يحال الأمر إلى غير الزوجين من أهليها ليقوما بمحاولة الإصلاح، قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (2).
فإن لم يستطع هذان الحكمان إنقاذ الحياة الزوجية وتعين الطلاق، فحينئذ لا مجال لإبقاء النكاح بينهما «لما فيه من مفسدة وضرر مجرد، نتيجة لسوء العشرة والخصومة الدائمين فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح في هذه الحال لتزول المفسدة الحاصلة فيه» (3).
وبهذا تبرز الحكمة من مشروعية الطلاق التي تكتنف مصالح العباد الدينية والدنيوية، ففي الطلاق إكمال لها حين يتعذر التوفيق بين الزوجين، أما إجبار الزوجين على استمرار الزوجية بينهما بمنعها من الطلاق رغم استحكام النفرة بينهما، فهو ضرب من العبث بل يزيد من كَدَر العيش بين الزوجين وتصبح الزوجية حينئذ شقاقاً ونزاعاً بدل أن تكون مصدر مودة ورحمة، وفي مثل هذه البيئة المستهدفة تسري الأحقاد وبسوء الأخلاق إلى الأولاد، عن طريق الخصام المتجدد بين الوالدين الزوجين فتفسد العائلة ويختل نظامها وربما جرّ ذلك إلى ما لا تحمد عقباه (4).
(1) من المعلوم أن النشوز يصدر من الزوجة كما يمكن أن يصدر من الزوج، بأن يخرج في معاملته لها عن ضوابط الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة وآدابها، غير أن الزوجة لا تملك في هذه الحالة إلا الوسيلة الأولى وهي النصح والموعظة وليس لها أن تلجأ بنفسها إلى الوسيلة الثانية أو الثالثة حماية للقوامة ودرءاً لتحول الرجولة إلى وحشية ضارية لا يضبطها لجام غريزة تنهال على المرأة ولا تفلتها إلا محطمة أو هالكة، وكأنما قدمت حياتها قرباناً لمساواة موهومة ولا تتفق مع أصل الكرامة التي متّع الله بها كلاً من الرجل والمرأة على السواء، ولا يعني ذلك أن الإسلام قد عرضها لخطر يحوم حولها وإنما ضمن لها بأن تقيم الشَّرِيعَة من القاضي نائباً عن الزوجة في الانتصار لها وأنزل العقوبة اللازمة بزوجها وقد لا تقف العقوبة عند حدّ الضرب، بل قد تتجاوزها إلى السجن.
(2) النساء/35.
(3) ابن قُدامة المُغْني، مع الشرح الكبير، (8/ 234). وانظر: الزحيلي: د. وهبي الأسرة المسلمة في العالم المعاصر، ص (89).
(4) نشرت صحيفة الأهرام القاهرية في الصفحة العاشرة من عدد يوم الاثنين 27/ 2/1997م أنّ البوّاب نصر عزيز استعان بآخر على قتل امرأته «نجية غبريال» في الطابق الأرضي للعمارة رقم 16 شارع الروضة بالقاهرة لأنه تزوجها منذ ثماني سنوات وأنجبت منه طفلين ماتا، ثمّ أصابها مرض منعها من الإنجاب واتسعت شقة الخلاف بينهما، ولما كانت ديانته تمنع الطلاق رأى أن أحسن وسيلة للتخلص منها قتلها، ونفّذ ما أراد.