فاتبعوهم، وأما ما يُستدل به على جواز ذلك، بقصة عليّ بن أبي طالب، حين خطب بنت أبي جهل في حياة فاطمة (1)، بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أُستؤذن في ذلك قَالَ: «فلا آذن، ثمّ لا آذن، ثمّ لا آذن، إلاّ أن يريد ابن أبي طالب أن يُطلّق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنها هي بضعة منّي يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها» (2).
فإنّ المستدلين لم يسوقوا لفظ الحديث، وإنما لخّصوا القّصة تلخيصاً مريباً، ليستدلوا بها على أنّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يمنع تعدد الزوجات، بل صرّح بعضهم بالاستدلال بهذه القصّة على ما يزعم من التحريم! ثمّ تركوا باقي القصة، وهو قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحادثة نفسها: «وإنّي لست أُحرّم حلالاً، ولا أُحلّ حراماً، ولكن والله لا تجتمعُ بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبنت عدوّ الله مكاناً واحداً أبداً» (3).
وعليه فلا يحق لولي الأمر منع بعض المباحات وإنما يقيد المباح لمصلحة راحجة نحو منع كبار ضباط الجيش أو رجال السلك الدبلوماسي من الزواج بأجنبيات أو كتابيات خشية تسرب أسرار الدولة، والفرق واضح بين المنع المطلق المؤبد وبين التقييد المحقق لمصلحة.
والعجب العجاب أن تأخذ بعض البلاد العربية الإسْلاميَّة بتحريم تعدد الزوجات، في حين أن تشريعاتها لا تحرم الزِّنَا إلا في حالات معينة مثل الإكراه أو الخيانة الزوجية إذا لم يتنازل الزوج، وهذا أوضح سبيل لأن تتخذ المرأة الحبيسة في بيت أبيها خدناً أو خليلاً في الحرام وتتصل به اتصالاً سفاحاً في الظلام.
وفي هذا المقام، يروي الشيخ عبد الحليم محمود: «أن رجلاً مسلماً في بلد عربي أفريقي يمنع التعدد، تزوج بامرأة ثانية بعقد مستوفي للشروط الشَّرْعية لكنه غير موثق في المحاكم الشَّرْعية ... وفي أثناء اتصاله المتخفي بزوجته قُبض عليه بتهمة التعدد فأراد أن يبرئ نفسه فادعى أنها عشيقته اتخذها خدناً له فخلوا سبيله في إطار الحرِّيَّة الشخصية التي يحميها القانون» (4).
(1) فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمّ الحسنين، وُلدت قبل البعثة بقليل، تزوجها عليّ بن ابي طالب رضي الله عنه، توفيت بعد النَّبِيّ بخمسة أشهر، عاشت أربعاً وعشرين سنة، انظر: الذَّهَبِيّ، سير أعلام النبلاء، (2/ 118).
(2) رواه البُخَارِيّ في صَحِيْحه، باب ذب الرّجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف، (5/ 2004) واللفظ له. ومسلم باب فضائل فاطمة، (4/ 1902) وصَحِيْح ابن حِبِّان (15/ 406)، وسُنَن التِّرْمِذِي (5/ 698).
(3) رواه البُخَارِيّ في صَحِيْحه (3/ 1132) وباب ذكر أصهار النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - (3/ 1364)، ومسلم (4/ 1903) واللفظ له.
(4) القرضاوي: مركز المرأة في الحياة الإسْلاميَّة، ص (101) باختصار.