تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تجعل الزوج عاجزاً عن الاكتفاء بالزوجة الواحدة وليس في الناس من يمتري ويجادل في وجود هذه الأسباب في كثير من الأحيان أياً كان نوعها، فإن الزوج قد يجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، أحدهما: أن يصبر ويبقى حبيساً على زوجته الواحدة على الرغم من السبب الذي يحمله من أمره عنتاً، ثانيهما: أن ينزلق إلى ارتكاب الموبقات من الفاحشة والزِّنَا ومقدماته ودواعيه.

ونظراً إلى أن هذا الزوج بشر معرض للخطأ فإن الأرجحية حيث الواقع الذي يفرض نفسه إنما هو للخيار الثاني وهو الفاحشة بل الفواحش، يخادن الرَّجُل المرأة مستمتعاً ثمّ ينبذها نبذ النواة في الفلاة.

غير أن هذا المنطق الواضح لا يلقى آذاناً صاغية في ربوع الغَرْب وعشاقه من الذين تأثروا بالثَّقافَة الرَّأْسُماليَّة والدعاية الغَرْبيّة التي صورت حكم التعدد تصويراً بشعاً وجعلته منقصة وطعناُ في الدين.

وأعجب شيء في هذه القضية أن يُراد تبريرها باسم الشَّرْع وأن يحتجوا لها بأدلة تلبس لبوس الفقه منها (1) بأن من حق ولي الأمر أن يمنع بعض المباحات جلباً لمصلحة أو درءاً لمفسدة.

وهذه المغالطة بما انطوت عليه من سوء النيّة وادعاء العلم تناست أن الشَّرِيعَة مدارها مصالح العباد وإنها لا تحل إلا الطيب النافع ولا تحرم إلا الخبيث الضار ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ (2).

فكل ما أباحته الشَّرِيعَة منفعة خالصة، وما حرمته مضرة راجحة «وهذا ما راعته الشَّرِيعَة في تعدد الزوجات، فقد وازنت بين المصالح والمفاسد والمنافع والمضار، ثمّ أذنت به لمن يحتاج إليه ... واثقاً من نفسه برعاية العدل غير خائف عليها من الجور والميل» (3)

وأما منع الولي لبعض المباحات فهو مما أنكره القرآن على أهل الكتاب الذين ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (4) وما فسرت بقوله - صلى الله عليه وسلم - أنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم

(1) ممّن حمل لواء الدفاع عن الإسلام متأولاً في دفاعه تأويلاً باطلاً ليجاري الدعاية الباطلة: قاسم أمين في كتابه «تحرير المرأة، والمرأة الجديدة» وخالد محمد خالد في كتابه «الدِّيمُقْراطِيَّة أبداً» فقد صرح أن من حق المرأة وقف تعدد الزوجات علماً أنه حكم شرعي، ص (164 - 165) وجاء في تفسير المنار للشيخ رشيد رضا قول الإمام محمد عبده «أما منع تعدد الزوجات إذا كثر ضرره وكثرت مفاسده وثبت عند أولي الأمر أن الجمهور لا يعدل فيه لعدم الحاجة إلى التعدد، فقد يمكن أن يوجد له وجه في الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة السمحة وإذا كانت هناك حكومة إسلامية، فإن للإمام أن يمنع المباح الذي تترتب عليه مفسده» أنظر: التفسير، ص (363).

(2) الأعراف / 157.

(3) القرضاوي: مركز المرأة في الحياة الإسْلاميَّة، ص (96).

(4) التوبة/ 31.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٤٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٤٠٨