تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما الأمر فهو للإباحة عند الجمهور، كالأمر في قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ (1) وفي قوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (2) خلافاً لما تمسك به أهل الظاهر من الوجوب (3)، و قَالَ الإمام الفخر: «فَحَكَمَ الله تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله، فدل ذلك على أنه ليس بمندوب فضلاً عن أنه واجب» (4).

والصواب عندنا أنّ تعدد الزوجات حكمه التحليل، ولا يُطلق عليه لفظ (المباح) بالمعنى العلمي الدقيق، أي المسكوت عنه، الذي لم يرد نصٌّ بتحليله أو تحريمه، وهو الذي قَالَ فيه رسول - صلى الله عليه وسلم -: «ما أحلّ اللهُ فهو حلال، وما حرّمَ فهو حرام، وما سكتَ عنه فهو عفو» (5). بل إنّ القرآن نصّ صراحة على تحليله، بل جاء إحلاله بصيغة الأمر التي أصلها للوجوب: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (6)، وإنما صُرِف فيها الأمر من الوجوب إلى التّحليل بقوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾.

وأما العدد فقد اتفق علماء اللغة ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ من ألفاظ العدد وتدل كل واحدة منها على المذكور من نوعها، فمثنى تدل على اثنين اثنين، وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة ورباع تدل على أربعة أربعة، والمعنى: انكحوا ما اشتهت نفوسكم من النساء، ثنتين ثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً.

قَالَ الزمخشري: «ولما كان الخطاب للجميع وجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع لما أراد من العدد، كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم، درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، ولو أفردت لم يكن له معنى» (7) أي لو قلت للجميع اقتسموا الكثير درهمين لم يصح الكلام. وإذا قلت: «درهمين درهمين كان المعنى أن كل واحد يأخذ درهمين فقط لا أربعة دراهم» (8).

(1) البقرة / 60.

(2) البقرة / 57.

(3) الصابوني، محمد علي: روائع البيان في تفسير آيات الأحكام (1/ 426).

(4) الرَّازي: التفسير الكبير، (9/ 172).

(5) رواه الحاكم في المستدرك على الصَحِيْحين عن عبد الله ابن عَبَّاس، (2/ 347)، (4/ 128)، ومجمع الزوائد (1/ 171)، وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (9/ 34) ومصنف أبي شيبة (4/ 259)، وجامع العلوم والحِكم (1/ 276) وقَالَ: «قَالَ البزّار إسناده صالح»

(6) النساء / 3.

(7) الزمخشري: الكشاف (1/ 360).

(8) الشَّوْكَاني: فتح القدير (1/ 420). وانظر: الصابوني: روائع البيان في تفسير آيات الأحكام (1/ 426).

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٤٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٤٠١