محاسبة الحكومة ومراقبتها ليس من الحكم، ولكنه من حيث سنّ القوانين وعزل الحكّام وإقَالَتهم يعتبر من الحكم وعليه، فلا يجوز للمرأة أن تكون عضواً في المجلس النيابي لأنه من الحكم (1)، ويجوز لها أن تكون عضواً في مجلس الأمة لأنه ليس من الحكم، فأعضاء مجلس الأمة هم وكلاء عن الناس بالرَأْي ليس غير.
وعليه، فإن للمرأة الحق بأن تعطي رأيها في كل ما هو من صلاحيات مجلس الأمة فلها أن تعطي رأيها السياسي، والاقتصادي والتشريعي وغير ذلك، وقد أعطاها الإسلام حق إعطاء الرَأْي كما أعطي الرَّجُل سواء بسواء، فالشورى في الإسلام حق للرجل والمرأة على السواء، قَالَ الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (2) وقَالَ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (3) وهو كلام عام يشمل المرأة والرَّجُل.
وقد جرى تطبيق هذه المشورة في عصر النبوة، فقد صحّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه دخل يوم صلح الحديبية على أم سلمة يشكو إليها أنه أمر أصحابه بنحر هداياهم وحلق رؤوسهم فوجموا ولم يفعلوا، فقَالَت: «يا رسول الله أتحب ذلك؟ .. اخرج ولا تكلم أحد منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك وتدعوَ حالقك فيحلقك» فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعل ما قَالَته أم سلمة (4).
وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفي غنى بما وهبه الله من حنكة وحكمة في القول والعمل، عن أن يستشير أم سلمة، ولكنه كما ذكر الحسن البَصْرِي (5) وغيره، أحب أن يقتدي به الناس في ذلك وأن لا يشعر أحد منهم بمعرة في مشاورة امرأة قد يرى نفسه أكثر منها علماً وأنفذ بصيرة وفهماً (6).
(1) ذهب د. يوسف القرضاوي إلى جواز ترشيح المرأة نفسها في المجالس النيابيّة، فقَالَ: «أرى أنّه لا مانع من أن تصبح المرأة عضواً في المجالس النيابيّة». انظر: جريدة الوطن 21 أكتوبر سنة 1995م عدد 49.
وذهب د. وهبي الزحيلي إلى القول: «لا مانع في الإسلام من ممارسة المرأة حقّ العمل النيابي بصفة تشريع (إصدار قوانين تنظيميّة لا تعارض أحكام الإسلام وشرائعه) ومراقبة للحاكم، فإن للمرأة حقّ الاجتهاد والإفتاء كالرّجل لكن لا ضرورة ولا حاجة للمجتمع أو الأمة لهذا، وتقتضي المصلحة الاجْتِمَاعِيَّة أن تظل المرأة عاملة في مجال آخر بحسب مقتضيات الحاجة، وليس ذلك لعدم أهليتها أو الطعن في كفاءتها وإنما ... مضارها أكثر من منافعها ... ولوجود الاختلاط الذي لا ضرورة فيه»، الزحيلي، الأسرة المسلمة في العالم المعاصر، ص (300).
(2) آل عمران/ 159.
(3) الشورى / 38.
(4) صَحِيْح البُخَارِيّ (2/ 978) وصَحِيْح ابن حِبِّان (11/ 225) وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (5/ 215) ومصنف عبد الرزاق (5/ 340) ومُسْنَد أحمد (4/ 330).
(5) الحسن بن يسار البَصْرِي، أبو سعيد، تابعي، حبر الأمة في زمانه، وأحد العلماء والفقهاء والفصحاء النساك، ولد بالمدينة، وسكن البصرة، وكان عظيم الهيبة في القلوب ولد عام 21هـ وتوفي عام 110هـ.
انظر سَيِّد أعلام النبلاء، ص (513) والأعلام (2/ 226).
(6) روى الشَّافِعِي في الأم عن الحسن البَصْرِي أنه قَالَ: «إن كان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لغنياً عن مشاورتهم -أي النساء- ولكنه أراد أن يستن الحكام بذلك من بعده». انظر الشَّافِعِي: الأم، (7/ 95).