يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (1). وقَالَ: ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (2).
فالله سبحانه وتعالى سلّط الخلق على الذكر والأنثى من ناحية الزوجية وكرر ذلك لحكمة مرجوة تتمثل في بقاء النظرة إلى الصلات بين الذكر والأنثى منصبّة على الزوجية.
وقد أُتُّهم الإسلام من خلال هذه النظرة بأنه يكبت الغريزة في الإنسان، وهذا وهم مخالف للحقيقة. ذلك لأنّ هناك فرقاً بين الغريزة والحاجة العُضْويَّة من حيث حتمية الإشباع، فإن الحاجة العُضْويَّة كالطعام والشراب وقضاء الحاجة، يتحتم إشباعها وإذا لم تشبع، ينتج عنها أضرار في نهاية المطاف تُؤدي إلى الموت حتماً.
وأما الغريزة كغريزة البقاء والتدين، والنوع، فإنه لا يتحتم إشباعها وإذا لم تشبع، لا تنتج عن عدم إشباعها أي ضرر جسمي أو عقلي أو نفسي، وإنما يحصل من ذلك انزعاج وألم ليس غير، اللّهم إلاّ بعض القلق بدليل أنه قد يُمضي المرء عمره كلّه دون أن يشبع بعض الغرائز ومع ذلك فلا ضرر يحصل له.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الحاجة العُضْويَّة، تتطلب الإشباع من الداخل دون حاجة لمؤثر خارجي، بينما الغرائز لا تثور داخلياً إلاّ بمؤثر خارجي من واقع مادي مثير أو فكر جنسي مثير، وإذا لم توجد هذه الإثارة فلا حاجة للإشباع.
وهذا يعني أن وجود المرأة مع الرَّجُل يثير غريزة النوع، وهذا أمر حتميّ عند الإثارة إذ قد يوجدان معاً ولا تثار الغريزة كما وجدا للتبادل التجاري أو الطبابة أو التعليم وإنما يكون لديها الاستعداد للإثارة.
ولهذا لا يجوز أن يجعل كون المرأة تثير غريزة النوع عند الرَّجُل، وكون الرَّجُل يثير غريزة النوع عند المرأة سبباً لفصل المرأة عن الرَّجُل فصلاً تاماً، بمعنى أنه لا يصح أن يجعل وجود قابلية الإثارة حائلاً دون اجتماع الرجال والنساء في الحياة العامة، ودون التعاون بينهما بل لا بد من اجتماعهما وتعاونهما في الحياة العامة، لأن هذا التعاون ضروري للمجتمع، إلا أنه لا يمكن أن يتم هذا التعاون إلا
(1) النحل / 72.
(2) الروم / 21.