تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح» (1) وعن عائشة رضي الله عنها قَالَت: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له» (2).

فهذه نصوص نبوية، تربط كلها بين الحرفة والعمل بنصح وجهد وإخلاص، وبين الله ومغفرته ورضوانه، وهكذا حين يرتبط مفهوم العمل والإنتاج في الإسلام بهذه المعاني السامية، فإن شأن العمل والإنتاج لا يقتصر حينئذ في مفهوم الناس على مجرد القيام بعمل مادي للحصول على أجر معين، بل يصبح العمل والإنتاج حينئذ قياماً بالواجب لمصلحة الفرد والجماعة كما يصبح حافز العمل والإنتاج في نفس الفرد طاقةً لا حدود لها يبدو أثرها في إقبال الفرد على عمله برغبة واندفاع وتجويد عمله وإنتاجه بنصح وإخلاص وهذه وحدها أمنية كبرى لنجاح كل اقتصاد.

وعلى أساس هذه النظرة للعمل يحترم الإسلام حق العامل في الأجر، هذا الحق الصارم الذي يجب أن يعطاه لحظة توقفه عن العمل جزاءً وفاقاً على ما قدمت يداه فهو يدعو أولاً إلى الوفاء به وينذر مَنْ يجور عليه ويصب غضبه الشديد ويعرب عن خصومته القاطعة لكل من يستأجر أجيراً فيأكل حقه، قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قَالَ الله عزّ وجلّ: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم عذر، ورجل باع حرّاً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» (3).

«والجمع بين هذه المعاصي الثلاثة، وتوحيد الجزاء عليها ذو دلالة خاصة، فالمعصية الأولى هي: خيانة وغدر لذمة الله، والثانية: هي جريمة إهدار لإنسانية حر وأكل ثمنه، والثالثة: هي أكل عرق الأجير وهي كأكل ثمن الحر غدر بالإنسانية، وكخيانة العهد بعد الحلف بالله غدر بذمة الخالق وكل منها يستحق الحرب من الله والخصومة لشناعتها ووضوح معنى الغدر فيها» (4).

(1) رواه أحمد في مسنده، (2/ 334)، واللفظ له، وفي رواية «يدي عامل»، (2/ 357)، والفردوس بمأثور الخطاب، (2/ 180) وفيض القدير، (3/ 476).

(2) رواه أحمد في مسنده، (2/ 334 - 357) واللفظ له، والفردوس بمأثور الخطاب، (2/ 180). وانظر فتح الباري، (4/ 306)، وفيض القدير، (3/ 476).

(3) رواه البُخَارِيّ في صَحِيْحه، باب إثم من باع حُراً، (2/ 776)، وباب: إثم من منع أجرّ الأجير، (2/ 792). وصَحِيْح ابن حبّان، باب: ذكر وصف أقوام يكون خصمهم في القيامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، (16/ 333). وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى، (6/ 14)، (2/ 816). ومعتصر المختصر، (1/ 366). ومُسْنَد أحمد (2/ 358)، والمعجم الصغير، (2/ 119)، والترغيب والترهيب، (3/ 14 - 22)، وفيض القدير، (3/ 316).

(4) قطب، سَيِّد: العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الإسلام، ص (126).

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٢٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٢٧٦