تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: لَا يَنْبُلُ الرَّجُلُ حَتَّى تَكُونَ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْعِفَّةُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَالتَّجَاوُزُ عَمَّا يَكُونُ مِنْهُمْ.

وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ، وَإِنَّ الْيَأْسَ غِنًى، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَيِسَ مِنَ الشَّيْءِ اسْتَغْنَى عَنْهُ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَّامٍ لَقِيَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا كَعْبُ، مَنْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِهِ، قَالَ: فَمَا يَذْهَبُ بِالْعِلْمِ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ أَنْ حَفِظُوهُ وَعَقَلُوهُ؟ قَالَ: يُذْهِبُهُ الطَّمَعُ، وَشَرَهُ النَّفْسِ، وَتَطَلُّبُ الْحَاجَاتِ إِلَى النَّاسِ، قَالَ: صَدَقْتَ.

وَقَدْ تَكَاثَرَتِ الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَمْرِ بِالِاسْتِعْفَافِ عَنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ، فَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ مَا بِأَيْدِيهِمْ، كَرِهُوهُ وَأَبْغَضُوهُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَحْبُوبٌ لِنُفُوسِ بَنِي آدَمَ، فَمَنْ طَلَبَ مِنْهُمْ مَا يُحِبُّونَهُ، كَرِهُوهُ لِذَلِكَ.

وَأَمَّا مَنْ كَانَ يَرَى الْمِنَّةَ لِلسَّائِلِ عَلَيْهِ، وَيَرَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَهُ عَنْ مِلْكِهِ كُلِّهِ، لَمْ يَفِ لَهُ بِبَذْلِ سُؤَالِهِ لَهُ وَذِلَّتِهِ لَهُ، أَوْ كَانَ يَقُولُ لِأَهْلِهِ: ثِيَابُكُمْ عَلَى غَيْرِكُمْ أَحْسَنُ مِنْهَا عَلَيْكُمْ، وَدَوَابُّكُمْ تَحْتَ غَيْرِكُمْ أَحْسَنُ مِنْهَا تَحْتَكُمْ، فَهَذَا نَادِرٌ جِدًّا مِنْ طِبَاعِ بَنِي آدَمَ، وَقَدِ انْطَوَى بِسَاطُ ذَلِكَ مِنْ أَزْمَانٍ مُتَطَاوِلَةٍ.

وَأَمَّا مَنْ زَهِدَ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَعَفَّ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَهُ وَيُكْرِمُونَهُ لِذَلِكَ وَيَسُودُ بِهِ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ: مَنْ سَيِّدُ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ قَالُوا: الْحَسَنُ، قَالَ: بِمَا سَادَهُمْ؟ قَالُوا: احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى عِلْمِهِ، وَاسْتَغْنَى هُوَ عَنْ دُنْيَاهُمْ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ السَّلَفِ فِي وَصْفِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا:

وَمَا هِيَ إِلَّا جِيفَةٌ مُسْتَحْيِلَةٌ ... عَلَيْهَا كِلَابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذَابُهَا

فَإِنْ تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْمًا لِأَهْلِهَا وَإِنْ تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلَابُهَا " (1).

(1) جامع العلوم و الحكم» الجزء الثاني» الحديث الحادي و الثلاثون

أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم · الصفحة ١٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلمص ١٨٥