تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَأَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ فَهُمُ الَّذِينَ فَهِمُوا الْمُرَادَ مِنَ الدُّنْيَا، وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَى ذَلِكَ، فَعَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَسْكَنَ عِبَادَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا؟ كَمَا قَالَ: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هُودٍ: 7]، وَقَالَ: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الْمُلْكِ: 2].

قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أَيَهُمُّ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ، وَجَعَلَ مَا فِي الدُّنْيَا مِنَ الْبَهْجَةِ وَالنُّضْرَةِ مِحْنَةً، لِيَنْظُرَ مَنْ يَقِفُ مِنْهُمْ مَعَهُ، وَيَرْكَنُ إِلَيْهِ، وَمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الْكَهْفِ: 7] ثُمَّ بَيَّنَ انْقِطَاعَهُ وَنَفَادَهُ فَقَالَ: وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [الْكَهْفِ: 8]، فَلَمَّا فَهِمُوا أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الدُّنْيَا، جَعَلُوا هَمَّهُمُ التَّزَوُّدَ مِنْهَا لِلْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، وَاكْتَفَوْا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَكْتَفِي بِهِ الْمُسَافِرُ فِي سَفَرِهِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا.

وَوَصَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْ يَكُونَ بَلَاغُ أَحَدِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ مِنْهُمْ سَلْمَانُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَعَائِشَةَ، وَوَصَّى ابْنَ عُمَرَ أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّهُ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَأَنْ يَعُدَّ نَفْسَهُ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ.

وَأَهْلُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ فَقَطْ، وَهُوَ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ الزُّهَّادِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُفْسِحُ لِنَفْسِهِ أَحْيَانًا فِي تَنَاوُلِ بَعْضِ شَهَوَاتِهَا الْمُبَاحَةِ، لِتَقْوَى النَّفْسُ بِذَلِكَ، وَتَنْشَطَ لِلْعَمَلِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.

أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم · الصفحة ١٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلمص ١٧٤