تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَكَانَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ لَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى يَقُولَ: اللَّهُمَّ هَبْ لَنَا يَقِينًا مِنْكَ حَتَّى تُهَوِّنَ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، وَحَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُصِيبُنَا إِلَّا مَا كَتَبْتَ عَلَيْنَا، وَلَا يُصِيبُنَا مِنَ الرِّزْقِ إِلَّا مَا قَسَمْتَ لَنَا.

رُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ، فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ إِذَا أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فِي دُنْيَاهُ مِنْ ذَهَابِ مَالٍ، أَوْ وَلَدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - أَرْغَبَ فِي ثَوَابِ ذَلِكَ مِمَّا ذَهَبَ مِنْهُ مِنَ الدُّنْيَا أَنْ يَبْقَى لَهُ، وَهَذَا أَيْضًا يَنْشَأُ مِنْ كَمَالِ الْيَقِينِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا وَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَقِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِيهَا، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَنْ زَهِدَ الدُّنْيَا، هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَاتُ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَ الْعَبْدِ حَامِدُهُ وَذَامُّهُ فِي الْحَقِّ، وَهَذَا مِنْ عَلَامَاتِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَاحْتِقَارِهَا، وَقِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِيهَا، فَإِنَّ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا عِنْدَهُ أَحَبَّ الْمَدْحَ وَكَرِهَ الذَّمَّ، فَرُبَّمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ كَثِيرٍ مِنَ الْحَقِّ خَشْيَةَ الذَّمِّ، وَعَلَى فِعْلِ كَثِيرٍ مِنَ الْبَاطِلِ رَجَاءَ الْمَدْحِ، فَمَنِ اسْتَوَى عِنْدَهُ حَامِدُهُ وَذَامُّهُ فِي الْحَقِّ، دَلَّ عَلَى سُقُوطِ مَنْزِلَةِ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ قَلْبِهِ، وَامْتِلَائِهِ مِنْ مَحَبَّةِ الْحَقِّ، وَمَا فِيهِ رِضَا مَوْلَاهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْيَقِينُ أَنْ لَا تُرْضِيَ النَّاسَ بِسُخْطِ اللَّهِ. وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ الَّذِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ عِبَارَاتٌ أُخَرُ فِي تَفْسِيرِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَكُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ، كَقَوْلِ الْحَسَنِ: الزَّاهِدُ الَّذِي إِذَا رَأَى أَحَدًا قَالَ: هُوَ أَفْضَلُ مِنِّي، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الزَّاهِدَ حَقِيقَةً هُوَ

أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم · الصفحة ١٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلمص ١٦٧