وهذا باب تطنب فيه الشعراء، ويتسع لها القول في ذكره، وقد مضى من بعضه ما أغنى عن شرح كله، وأنا أصف لك جملة من جميل مناقبهم، وما يؤثر من حسن مذاهبهم، إن شاء الله تعالى.
صفة ذوي التظرف ومباينتهم لذوي التكلف
اعلم أن من كمال أدب الأدباء، وحسن تظرف الظرفاء، صبرهم على ما تولدت به المكارم، واجتنابهم لخسيس المآثم، وأخذهم بالشيم السنية والأخلاق الرضية، وأنهم لا يداخلون أحدا في حديثه، ولا يتطلعون على قار في كتابه، ولا يقطعون على متكلم كلامه، ولا يستمعون على مسر سره، ولا يسألون عما وري عنهم علمه، ولا يتكلمون فيما حجب عنهم فهمه، يتسرعون إلى الأمور الجليلة، ويتبطؤون عند الأشياء الرذيلة، فهم أمراء مجالسهم، بهم يفتح عسر الأغلاق، وبهم يتألف متنافر الأخلاق، تسمو إليهم الآماق، وتنثني عليهم الأعناق، ولا يطمع في عيبهم العائب، ولا يقدر على مثالبهم الطالب، ألا ترى أنهم لا يتنخعون، ولا يتبصقون، ولا يتثاءبون، ولا يستنثرون، ولا يتجشؤون، ولا ينمطون، ولك عيب عند الظرفاء، مكروه عند العلماء، وفيه حديث مأثور حدثنيه عبيد بن شريك قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: أخبرني يحيى بن أيوب قال: أخبرني ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، وإن أحدكم إذا قال هاها، فإن ذلك الشيطان يضحك في جوفه.