قال الشيخ مرعي رحمه الله: والحكمة في الوزن مع أن الله عالمٌ بكل شيء إظهار العدل، إظهار عدله جل وعلا وبيان الفضل حيث يزن مثاقيل الذر من خيرٍ وشرّ. انتهى.
ومن المقرر أن أحوال البرزخ وأحوال الآخرة لا تُقاس على ما في الدنيا وإن اجتمعت الألفاظ، وإنما هذه لها كيفيةٌ تخصها وتلك لها كيفيةٌ تخصها وإن اتفقت الأسماء، فنؤمن بها كما ورد من غير بحثٍ عن كيفيتها وحقيقتها كما أخبر الصادق المصدوق من غير زيادةٍ ولا نقصان.
قوله: (﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾) أي رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدةٍ. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: المراد بثقل الموازين رجحان الحسنات على السيئات (﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾) أي الذين فازوا فنجو من النار وادخلوا الجنة، والفلاح هو الفوز والظفر والحصول على المطلوب (﴿فَمَن﴾) شرطية وجواب الشرط جملة (﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾)، وأتت الجملة جزائية هنا جملةٌ اسمية للدلالة على الثبوت والاستمرار، وكذلك جاءت بصيغة الحصر لقوله: (﴿هُمُ﴾)، (﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾) والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار وجاءت باسم الإشارة الدال على البعد (﴿فَأُوْلَئِكَ﴾) لعظم مرتبتهم ولم يقل فهم المفلحون إشارةٌ إلى علو مرتبتهم، وجاءت بصيغة الحصر بقوله: (﴿هُمُ﴾) وهو ضمير فصلٍ يفيد الحصر والتوكيد والفصل بين الخبر والصفة. وقوله: (﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾) هذا فيه إشكالٌ من جهة العربية لأنه قال ماذا؟ (﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾) أفرد الضمير ثم قال: (﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾) جمع الضمير فباعتبار اللفظ أفرد وباعتبار المعنى جمع، لأن (من) الشرطية باعتبار اللفظ هي مفرد وباعتبار المعنى هي جمعٌ فيجوز مراعاة اللفظ فيُفرد الضمير ويجوز مراعاة المعنى فيجمع الضمير. قوله: (﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾) أي ثقلت سيئاته على حسناته عكس الأول (﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾)، (﴿فَأُوْلَئِكَ﴾) الإشارة هنا للبعد لانحطاط مرتبتهم لا لعلو مرتبتهم (﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾) أي خابوا وفازوا بالصفقة الخاسرة. وقوله: (﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون﴾) أي ماكثون فيها دائمون والخلود هو المكث الطويل والمراد بخفة الموازين رجحان السيئات على الحسنات ترجح السيئات على الحسنات أو فقدان الحسنات بالكلية إن قلنا: بأن الكفار توزن أعمالهم كما هو ظاهر هذه الآية الكريمة [وأمثالُها أو] أمثالِها وهو أحد القولين لأهل العلم.
والقول الثاني: أن الكفار لا توزن أعمالهم لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 103، 105]. دل ذلك على أن الكفار لا توزن أعمالهم والله أعلم.