تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال رحمه الله تعالى: (وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، وَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ)، ... (تَدْنُو) أي تقرب (مِنْهُمُ الشَّمْسُ) حتى تكون قدر ميلٍ أو ميلين كما روى مسلمٌ عن المقداد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ... «إذا كان يوم القيامة أُدْنِيَتِ الشمس من العباد حتى تكون قدر ميلٍ أو ميلين» قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل أما مسافة الأرض أم الميل الذي تُكْتَحَلُ به العين، يحتمل هذا أو ذاك، حينئذٍ هذا الميل سواءً كان مسافة أو ميل الْمُكْحَلَة أو الْمِكْحَلَة فإنها قريبةٌ هذا أو ذاك ويسلم من الشمس إناسٌ يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله. إذًا تدنوا (تَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، وَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ) ليس عامًا، إنما جاء تخصيص بعض من يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - «إمامٌ عادل، وشابٌ نشأ في طاعة الله، ورجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه». الحديث في ((الصحيحين)) هناك أيضًا أصنافٌ أخرى يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله، دل ذلك على أن قوله: «تدنو الشمس»، ويلجم العرق الناس. أنه مخصوصٌ بما ذكر قوله: (وَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ) أي يصل إلى أفواههم فيصير لهم بمنزلة اللجام من الفرس، ألجمهم من اللجام الذي يكون على فم الفرس، وهو الفم يمنعهم عن الكلام قال - صلى الله عليه وسلم -: «فتصهرهم الشمس»، «تصهرهم» هذا ما فيه معنى الإذابة «فيكونون في العرق كقدر أعمالهم منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه ومنهم من يلجهم العرق إلجامًا». «عقبيه» هو مؤخر القدم. وقوله: «حقويه» الحقو معقد الإزار وسط البدن. وقوله: «يلجهم العرق» ظاهره التعميم لكن دلت أحاديث على أنه مخصوصٌ بالبعض وهم الأكثر، ويُستثنى من ذلك الأنبياء والشهداء ومن شاء الله كما ذكرنا.

وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا ويلجهم حتى يبلغ آذانهم». فهذا اليوم العظيم فيه من الأهوال العظيمة والشدائد الجسيمة ما يُذيب الأكباد ويذهل المراضع ويُشيب الأولاد. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 2]. قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾. وذلك يوم القيامة، وهو حقٌ ثابتٌ ورد به الكتاب والسنة والإجماع.

شرح العقيدة الواسطية · الصفحة ٨٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح العقيدة الواسطيةص ٨٧٨