وثم نوعٌ خامس وهو العقل ووجه ذلك أنه لو لم يكن هذا اليوم لكان إيجاد الخلائق عبثًا، والله عز وجل مُنَزَّهٌ عن العبث، فما الحكمة من قومٍ يُخلقون ويُؤمرون ويُنهون ويُلزمون بما يلزمون به ويُندبون ثم يموتون ولا حساب ولا عقاب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]. إذًا أنكم لا تُرجعون هذا يدل على أن الخلق عبث، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن العبث، إذًا سيكون ثَم يوم ترجعون فيه إلى الله ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: 116]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: 85]، ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ لِمَ؟ ربط بين النوعين فرْض القرآن يعني الإلزام ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يعني من يمتثل ومن لا يمتثل حينئذٍ يكون يوم الحساب وهو يوم المعاد، كيف يفرْض القرآن ويفرض العمل به ثم لا يكون هناك معاد يحاسب على ما عمله الإنسان من هذا القرآن الذي فُرِضَ عليه فصارت أنواع الأدلة على ثبوت اليوم الآخر خمسة:
كتاب، وسنة، والإجماع، والكتب السماوية، ودلالة العقل.
قال رحمه الله تعالى: (فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً) كما جاء النص بذلك، فكما سبق في قوله: (فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ) هذا بناءً على الأغلب وإلا فقد يكون الإنسان غير مدفونٍٍ، حينئذٍ كيف يقوم؟ الله أعلم بحاله، وذاك الذي احترق وصار رمادًا ذاك الذي أكله السبع حينئذٍ كيف يعود؟ الله أعلم لكنه سيعود قطعًا نؤمن بذلك قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6]. لأن الله عز وجل يناديه قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: 41]. ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: 41]. فيقومون لهذا النداء العظيم من قبورهم لربهم عز وجل.
وروى مسلمٌ في ((صحيحه)) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: «يقوم الناس حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى نصف أذنه». رشحه يعني عرقه.