قال قول المصنف رحمه الله تعالى قوله: (إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى). (إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ)، عرفنا أن قوله: (نَعِيمٌ) إلى أن تقوم الساعة الكبرى ولا إشكال فيه، (وَإِمَّا عَذَابٌ) إلى أن تقوم الساعة الكبرى نقول: هذا في الكافر نعم، وأما في المؤمن فهذا على التفصيل الذي ذكرناه سابقًا، (إِلَى أن تقوم الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى) يعني يمكثون في قبورهم إلى أن تقوم القيامة الكبرى وهي التي يقوم فيها الناس من قبورهم لرب العالمين، بعد ما ينفخ في الصور نفخة البعث، فإن يوم القيامة يقع على ما بعد نفخة البعث من أهوال وزلزلةٍ وغير ذلك .. إلى آخر الاستقرار في الجنة أو النار، ومع كونهم ماكثين في قبورهم فأرواح المؤمنين مقرها الجنة، وأرواح الكافرين مقرها النار، مع كونهم في قبورهم، كيف يكون ذلك؟ الله أعلم، لأننا نقول: هم يعذبون في قبورهم ومع ذلك أوراحهم في النار، وكذلك أرواح المؤمنين في الجنة ومع ذلك هم منعمون في القبر البرزخ حينئذٍ نثبت هذا وذاك والعقل لا يدرك شيئًا مما يتعلق بالكيفية.
قال - صلى الله عليه وسلم -: «نسمة المؤمن طائر يَعْلُق في شجر الجنة». حينئذٍ يكون في ماذا؟ في الجنة، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وجاء في مسلم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «أرواح الشهداء في جوف طيرٍ خضر لها قناديل معلقة تحت العرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل». فدل على أن أرواح الشهداء في الجنة مستقرها الجنة، ومقر أرواح الكفار النار، وكيفية هذه الأمور لا نعلمها.
وقوله: (الْكُبْرَى). إشارة إلى أن فيه قيامةً صغرى وهو الموت كما سبق فيما مضى، قال القائل:
خرجت من الدنيا وقامت قيامتي ... غداة أقل الحاملون جنازتي
قال القرطبي رحمه الله تعالى: القيامة قيامتان صغرى وكبرى.
فالصغرى ما تقوم على كل إنسان في خاصته من خروج روحه وانقطاع سعيه وحصوله على علمه.
وأما الكبرى فهي التي تعم الناس وتأخذهم أخذةً واحدة.