وقال المسعودي في مروج الذهب: ذكروا أن كيومرث هو أول من أمر بالسكوت عند الطعام، لتأخذ الطبيعة بقسطها، فيصلح البدن بما يرد إليه من الغذاء، وتسكن النفس عند ذلك، فتدبر لكل عضو من الأعضاء تدبيرا يؤدي إلى ما فيه صلاح الجسم من أخذ صفو الطعام، فيكون الذي يرد إلى الكبد وغيره من الأعضاء القابلة للغذاء ما يناسبها وما فيه صلاحها، وإن الإنسان متى شغل عن طعامه بضرب من الضروب، انصرف قسط من التدبير وجزء من التغذي إلى حيث انصباب الهمة ووقوع الاشتراك، فأضر ذلك بالنفس الحيوانية والقوى الإنسانية، وإذا كان ذلك دائما أدى ذلك إلى مفارقة النفس الناطقة المميزة الفكرية لهذا الجسد المرئي، وفي ذلك ترك للحكمة وخروج عن الصواب. . . أقول: وقد
أيدت التجاريب الحديثة هذا المذهب، إذ تحققت أن الكلام على الطعام مدرجة لسوء الهضم. . . وإني بحمد الله لعلى هذا المذهب مذ نشأتي، أي أني بفطرتي لا أتحدث على الطعام، حتى عد ذلك أهلي ومن يخالطونني مغمزا في يشف عما وراءه، مما يشبه النهم وليس به يعلم الله وإنما هي الفطرة التي فطرني الله عليها، ومن خلقي أني أعد الكلام على الطعام ضربا من التكلف الذي لا أستسيغه. . . على أن الأكل مهمة حيوانية سخيفة يجمل أن لا يحتفل بها هذا الاحتفال الكسروي الذي نراه هذه الأيام، ورحم الله جمال الدين الأفغاني إذ يقول: وددت لو أني خلقت مصمتا! وقبله قال الخليل بن أحمد: أثقل ساعاتي الساعة التي آكل فيها، أو كما قال:
أما محادثة الأضياف على غير الطعام: فمن المجمع على استحسانه، وفي