البشرية المعلومة، إنما على مقاييس أخرى قدرها رب العالمين، إذ أنزل ملائكة لتأييد المؤمنين، وقذف الرعب في قلوب المشركين، وغير ذلك مما تجدونه مفصلاً في كتاب ﴿غزوة بدر الكبرى﴾.
ثانياًً: إن شاء الله
قال تعالى:
(وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ... ) (1)
عاتب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على قوله للكفار حين سألوه عن الروح والفتية وذي القرنين: غداً أخبركم بجواب أسئلتكم، ولم يسْتثْنِ في ذلك .. فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً حتى شق ذلك عليه وأرجف الكفار به .. فأُمِرَ في هذه الآية ألا يقول في أمر من الأمور: إني أفعل غداً كذا وكذا إلا أن يعلِّق ذلك بمشيئة الله عز وجل، حتى لا يكون محققاً لحكم الخبر، فإنه إذا قال لأفعلنَّ ذلك ولم يفعل كان كاذباً، وأما إذا قال: لأفعلن ذلك إن شاء الله، خرج عن أن يكون محققاً للمخبر عنه. (2)
إن التعلق المطلق لمشيئة الإنسان بمشيئة الله ينفي عنه الصفة البشرية، ويجعله ذا صفة ملائكية؛ لأن الملائكة لا مشيئة لهم خارج نطاق مشيئة الله تعالى، فهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. أي أنهم ليست لهم حيثيات تفرض عليهم أن يقولوا ﴿إن شاء الله﴾ إذا أرادوا شيئاً؛ لأنهم لايفعلون إلا ما يأمرهم به الله تعالى.
أما تكوين الإنسان فهو شئ آخر، فقد قدَّر الله تعالى له صلاحية الاستجابة لأمر الله تعالى أو العصيان، فكان من اكتمال صفة الكينونة البشرية في الإنسان أن يكون متلبساً بهذه الحالة الاختيارية، فإذا سُلِبت منه خرج من كرامة الصفة البشرية، ولذلك أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقول:
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ... ) (3)
(1) - الكهف: الآيتان 23، 24.
(2) - تفسير القرطبي، ج 10، ص 385.
(3) - الكهف: الآية 110.