فما هو وجه المعنى في الآية المذكورة بالنظر إلى تلك الحقيقة؟
* إن الوالد في بيته هو رب الأسرة الذي يقوم على شؤونها جميعاً، وليس في كون المسئولية منوطة به ما يمنعه من أن يعطي أحد أولاده صلاحية القيام على شئون الأسرة بدلاً منه، فإذا فعل ذلك واستلم أحد الأبناء هذه الصلاحية، ثم علم الوالد أنه ظلم بعضاً من أفراد الأسرة، فإن الظلم الواقع لن يكون منسوباً إلا إلى الولد.
أما الأب فليس عليه شئ من ذلك؛ لأنه لم يُرِد الظلم، بل نهى عنه.
ولله المثل الأعلى، فهو سبحانه مُنَزَّه عن الخطأ في تقديراته ومشيئته، خلق الإنسان والحيثيات المحيطة به ليحقق أمراً أراده، وأعطى الإنسان القدرة على فاعلية الخير والشر، وأعطاه العقل الذي به يميز طريق الحق من طريق الباطل، فكانت هذه العناصر وما تحمله من فاعليات إظهاراً لمشيئته سبحانه، ولوشاء لَمَا خلقها، ولَمَا كان هناك شئ اسمه الإنسان، فإذا مارست آلة الإنسان فاعليتها وشاء الإنسان أمراً ما، فإن مشيئة الله ستكون حاضرة قبل مشيئته، لا من باب إرادة الفعل إنما من باب تيسير الأدوات.
* وإذا نظرنا إلى مسارات الحياة في الأرض وجدنا أنها تمثل لوحة رسمها الله تعالى أولاً والإنسان ثانياً، ولكن مسارات الرسم الآدمي محدودة المجال، لأنه لو تُرِك الأمرُ له على الإطلاق لأهلك نفسه والأرض ومن فيها.
وبسبب ما جُبِل عليه الإنسان من قصور في رسم لوحة الحياة على الأرض، فإنه يخطئ كثيراً في فاعلياته، فيفضي بذلك إلى فساد صورة الحياة، وهو الأمر الذي يستلزم التدخل من الله تعالى لتصحيح مسارات الرسم البشري. فكان من صور هذا التدخل ما ينزله الله تعالى من تعاليم يهدي بها العباد إلى المنهج الصحيح في رسم اللوحة، ومن صوره أيضاً اختراق قوانين الحالة البشرية الدنيوية مثلما حدث في يوم بدر، إذ لم يترك سبحانه فاعلية الرسم محصورة في إطار القدرة البشرية؛ لعلمه أن حدود تلك القدرة ستقود إلى تشويه منظر اللوحة، وهذا التشويه هو ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم في دعائه:
(اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض) رواه الترمذي وأحمد.
فشاء سبحانه لعباده أن ينتصروا، فانتصروا انتصاراً لم يقم على مقاييس القوة