الفصل الثاني: مايمدح من السهر
سبق قريباً أن الليل وقت السكون والنوم، وأن هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو النوم من أول الليل، وكراهية الحديث بعد صلاة العشاء، إلا أن العلماء ذكروا أعمالاً، وأحوالاً في الخير يكون السهر فيها ـ إما بعض الليل أو كله ـ سهراً مشروعاً جائزاً لا يدخل في عموم ماورد من النهي عن السهر وذمه؛ لغلبة مصلحة السهر، ورُجحانها على مصلحة النوم.
وهذه الأعمال ورد النص بمشروعيتها، ويُقاس عليها ما كان مثلها في المصلحة والخير. قال ابن خزيمة: كراهة الحديث بعد العشاء بما لامنفعة فيه ديناً ولادنياً ا. هـ، وقال الإمام النووي: أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين، ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة لهم في الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد إلى مصلحة، ونحو ذلك فكل هذا لا كراهة فيه، وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه والباقي في معناه ... واتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلا ما كان في خير ـ وقال أيضاً ـ وأما الحديث في الخير كمذاكرة العلم، وحكايات الصالحين ومكارم الأخلاق والحديث مع الضيف ومع طالب حاجة ونحو ذلك فلا كراهة فيه بل هو مستحب، وكذا الحديث لعذر وعارض لاكراهة فيه ا. هـ
وقال القرطبي: هذه الكراهة إنما تختص بما لا يكون من قبيل القُرب والأذكار، وتعليم العلم، ومسامرة الأهل بالعلم وبتعليم المصالح وما شابه ذلك، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف ما يدل على جوازذلك، بل على ندبيته اهـ (1).
وأذكر في هذا الباب جملة من أهم الأعمال التي يُشرع ويجوز السهر فيها:
(1) انظر: صحيح ابن خزيمة 2/ 292، شرح النووي لصحيح مسلم 5/ 282، رياض الصالحين للنووي ... / 611، تفسير القرطبي 12/ 139.