شبهات أخرى حول الاستغاثة
ومن شبهاتهم : حديث الأعمى المشهور وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه أن يقول " يا محمد إني أتوجه إليك في حاجتي هذه لتقضى " (1) .
وعلى افتراض أنه كان بعيدا فهو :
استحضار لمضمر في القلب كقول المصلى في صلاته : السلام عليك أيها النبي . وقد تقدم أن الصحابة تركوا هذا اللفظ لما قبض - صلى الله عليه وسلم - وصاروا يقولون : السلام على النبي ، فإذا تركوا بعد موته خطاباً فيه دعاءً له لا دعاء إليه فكيف يمكن أن يقال بعد ذلك إنهم كانوا يستغيثونه بعد موته ؟
فإذا كانوا تركوا قول (السلام عليك) بعد موته فمن باب أولى أن يتركوا لفظ يا محمد
ولا يمكن أن يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - " من يتكفل أن لا يسأل الناس شيئاً وأنا أضمن له الجنة " ويقول " إذا سألت فاسأل الله " ثم هو يعلمهم أن يسألوا الأموات من أنبياء وصالحين .
أن أحداً من الصحابة لم يفهم من هذا الحديث جواز الاستغاثة ولذلك لم يستغيثوا به - صلى الله عليه وسلم - بعد موته بل تركوا حتى التوسل الذي هو أدنى من الاستغاثة كما في حديث حادثة القحط المشهورة أيام خلافة عمر كما عند البخاري . فكيف يكون التوسل به حراماً والاستغاثة جائزة ؟
? أما قوله ( يا محمد ) فمن يمكنه أن يؤكد أنه كان بعيداً عنه ؟ وقد قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - " إيت الميضأة " فمن يدعي أنه ذهب إلى ميضأة بيته والأصل أن يدل السياق على أقرب ميضأة وهي ميضأة بيته - صلى الله عليه وسلم - أو المسجد فلا يكون الأعمى مخاطباً له من مكان بعيد عنه !
وأما احتجاجكم بلفظ ( إني أتوجه بك ) : فهو توجه بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا ما حدث حقاً ، فقد توجه النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلب منه أن يدعو له فوعده - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء له . ولهذا قال في آخر دعائه " اللهم فشفعه في " أي اللهم اقبل دعاءه في .
? وأما التوجه الذي يفهمه الأحباش فهو التوجه إلى قبور الأنبياء والصالحين ، تلك هي سنتهم ، فإنهم رفاعيو الطريقة ، وقد سن كم محمد الصيادي الرفاعي أن من أصابته ضراء فليتوجه نحو قبر الرفاعي ويخطو ثلاث خطوات ويسأله حاجته (2) . وهي سنن النصارى .
أما سنة نبينا فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يستقبل القبلة في دعائه ويسأل الله وحده ، وكان يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين إن صلاتي [ والدعاء صلاة ] ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " ، فالتوجه إلى الله بالدعاء هو الملة الحنيفية ، ودعوتكم الناس التوجه إلى مقابر الأنبياء والأولياء ملة الشرك .
المستغيثون بالماء وهو ( جماد ) !
ومن شبهاتهم : الاحتجاج بأن الماء يسمى غيثاً لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " اللهم اسقنا غيثا مغيثا " قال الأحباش المستغيثون بالجماد " وإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - سمى المطر مغيثاً لأنه ينقذ من الشدة بإذن الله : فالنبي والولي أولى بهذا الوصف من الجماد : معناه كذلك أن النبي والولي ينقذ من الشدة بإذن الله " (3) !
هكذا عادوا إلى الاستغاثة بالجمادات فإن الماء ليس بشراً ولا ملكاً !
(1) قد استوفينا تفصيل هذا الحديث في فصل التوسل ص167 .
(2) قلادة الجواهر 434 و 239 .
(3) مجلة منار الهدى 35/33 .