وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءٍ وَالْمُؤْمِنِينَ وَاسِطَةً فِي شَيْءٍ مِنْ الرُّبُوبِيَّةِ , وَالْأُلُوهِيَّةِ , مِثْلَ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ , وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَالنَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ , وَقَضَاءِ الْحَاجَاتِ , وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ ; بَلْ غَايَةُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ سَبَبًا : مِثْلُ أَنْ يَدْعُوَ أَوْ يَشْفَعَ , وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ وَيَقُولُ : ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنْ ارْتَضَى ﴾ وَيَقُولُ : ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ قُلْ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا , أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ . قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ : كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ , فَنَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ . فِي قوله تعالى : ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ , وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ اتِّخَاذَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا كُفْرٌ , وَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ فِي الشَّفَاعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : فَالْمُشْرِكُونَ أَثْبَتُوا الشَّفَاعَةَ , الَّتِي هِيَ شِرْكٌ ; كَشَفَاعَةِ الْمَخْلُوقِ عِنْدَ الْمَخْلُوقِ , كَمَا يَشْفَعُ عِنْدَ الْمُلُوكِ خَوَاصُّهُمْ لِحَاجَةِ الْمُلُوكِ إلَى ذَلِكَ , فَيَسْأَلُونَهُمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ , وَتُجِيبُ الْمُلُوكُ سُؤَالَهُمْ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ , فَاَلَّذِينَ أَثْبَتُوا مِثْلَ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مُشْرِكُونَ كُفَّارٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ , وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ , بَلْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ إجَابَةُ دُعَاءِ الشَّافِعِينَ , وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ﴾ وَقَالَ : ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ , قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ , قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَنْ صَاحِبِ " يس " : ﴿ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا , وَلَا يُنْقِذُونِ إنِّي إذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ﴾ . وَأَمَّا الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ : فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا شَفَاعَةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ , وَهَؤُلَاءِ مُبْتَدِعَةٌ ضُلَّالٌ , مُخَالِفُونَ لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ; وَلِإِجْمَاعِ خَيْرِ الْقُرُونِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ , وَهُمْ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ , أَثْبَتُوا مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ , وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَنَفَوْا مَا نَفَاهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ . فَالشَّفَاعَةُ الَّتِي أَثْبَتُوهَا هِيَ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْأَحَادِيثُ . كَشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْقِيَامَةِ , إذَا جَاءَ النَّاسُ إلَى آدَمَ , ثُمَّ نُوحٍ , ثُمَّ إبْرَاهِيمَ , ثُمَّ مُوسَى , ثُمَّ عِيسَى , ثُمَّ يَأْتُونَهُ عليه السلام , قَالَ : { فَأَذْهَبُ إلَى رَبِّي , فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي خَرَرْتُ لَهُ سَاجِدًا , فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ يَفْتَحُهَا عَلَيَّ , لَا أُحْسِنُهَا الْآنَ ,
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم · الصفحة ٩٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمص ٩٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي